الخميس، 26 فبراير 2015

محكمة الرحمة



تُحيط المحكمة الأسلاك الشائكة الضخمة المُحصنة برجال الأمن أصحاب الأسلحة المتطورة، ترسو فى الهواء الحر الذى يلمس عبودية من يتكوّمون خلف الأسلاك منتظرين بداية الحدث!. نساء تسحب أولادها ورائها كمن يجر خيبة مؤجلة، ورجال يتجادلون كطقس جماعي لتبادل العزاء في حياة خاوية، أطفال يجرون وراء بعضهم صاخبين، فرحين بقدرتهم على إثارة الرعب من فوضى كامنة، فتيات جميلات تُسر الناظرين، وأقل مما يلزم لمحاربة القبح. الملابس مهرتلة، والأعين صامتة.
يتقدم القضاة الثلاثة للمنصة إستجابةً لصوت البوق، وصفير الرياح الأعلى صوتاً، ليبدأ تلاوة النص الحاكم "الفجر ليل جديد.. الصمت صوت القبور.. الخوف ظل السائرين.. الرحمه صدى الصراخ.. من يُرد الصراخ، فهنا كهفه.. المحكمة لا تؤمن بالحدود، الله أعلانا، والقبور أسفلنا". ثم ينادى على من فى القفص الحديدى، ثلاثة رجال، بميكروفون فى سماعة أذنيه، ليتمثلوا أمامه وسط الساحة واحداً تلو الآخر، كنقظة ارتكاز فى دائرة ملحمية يدور حولها الموت فى وسامة استقراطية صامتة !.

الرجل الأول: رجل قصير فى منتصف الأربعينات من العمر، أصلع جزئياً، نظارته عملاقة، يرتدى ما أطلق عليه "الشرز".. يقول القاضى..
-إسمك عبداللطيف السيد عثمان؟.
-يغير نظرتة من الأرض إلى القاضى ليقول: صحيح سيادتك.
-تمام.. ليه طلبت تكون فى المحكمة؟
- فى سكون عكس حركة عينيه كالبندول، يقول: نفسى مش قابلة تكون فى مكان غير فى حضن الموت.. حبيته !.
-سأل القاضى باندهاش: حبيت الموت ؟! ازاى ؟!.
-نطفة من ابتسامة رُسمت على جبينه، مع بداية الاستجابة الحركية لحديثه وهو يقول: آه حبيته! كان أقرب حاجة ليا.. زى الصديق، دايماً جنبى.. كان جنبى لما كنت ضايع فى شبابى، وبتغذى على أوكسوجين مستحقهوش..دخلت المستشفى نتيجة إدمان الهيروين وكنت هموت فيها لولا ستر ربنا!.. ودى كانت أجمل لحظات حبيت فيها الموت!.. بعد ما اتعالجت، رحت مستشفى نفسية، فيها اتعرفت على "نادية"، أجمل واحدة فى حياتى! واللى بقت مراتى بعد كده. حبيتها، أو عبدتها!.. لكن صديقى -الموت- خدها منى نتيجة جرعة زايدة من الهيروين!.. مكنتش عارف ساعتها أعيط ولا أعمل ايه!.. الصدمات شلل المشاعر!.. ومع ذلك حبها منقصش جوايا أبداً!.. لكن صاحبى أنقذ أى طفل يجيلى من انه يتربى على ايد مدمنة!.. كان الموت صاحبى برضو لما خد منى أغلى إنسان! أبويا! وشوش لى الموت وقالى "خدت منك الغالى عشان تاخد بالك من الأغلى"!.. مسبتش أمى من بعد فراق أبويا، كنت خدام ليها ومبسوط، لكن هى كانت بتحب أبويا أكتر. محدش بيعيش لوحده، الوحده مش ان ميكونش معاك حد، الوحده إنك كمان متكونش مع نفسك!.. مقدرش أقول انى كنت عايش فى وحده، لكن مع نفسى! بتعوضلى حاجات كتير فقدتها، بضحك وبعيط وببتسم وبصرخ معاها، لكن الحاجة الوحيدة اللى معرفتش نفسى تعوضهالى، هى الحضن!.. الحضن اللى كان من أمى، أبويا، أو مراتى!.. وهما دلوقت فى حضن الموت!.. عشان كده مليش مكان غير فى حضن الموت.. اللى حبيته.

الرجل الثانى: رجل فى أواخر الخمسينات، يتخلل شعره بعض الشعيرات البيضاء، وجهه طمسته التجاعيد، ويرتدى قميصاً كلاسيكياً وبنطلون قد سقاه الترزى مُراً. القاضى منادياً..
-إسمك عامر أحمد عبد الله؟.
-وهو فى منتصف الساحة ينظر حوله على من خلف الأسلاك الشائكة الذين ينتظرون الحياه خلف السماء، ثم يرد: أيوة يا فندم.
-تمام.. ليه طلبت تكون فى المحكمة؟
-أخذ نفساً يدل على قلقه وهو ينظر للقاضى، ويقول: عشان قلت "اللى بيحب الوطن، يبقى جزمة" !.
-القاضى متعجباً: وايه اللى خلاهم جزم! دوول شرفاء!. وعايز تموت ليه؟!
-أخذ نفساً عميقاً و نبرة صوته تضفى غضباً ساكناً فى نفسه، ليقول: هقول لسعادتك.. الجزمة دى هى اللى بروح بيها المصنع كل يوم عشان تعمل حاجة الحكومة بتقول عليها الانتاج.. الجزمة دى هى اللى ضربت بيها و وقعتها على أدمغة ولادى عشان يتربوا، و طلعت مهندس زى مصطفى ودكتور زى أحمد.. الجزمة دى هى اللى حطيتها فى بوقى ومشيت جنب الحيط عشان الإستقرار.. الجزمة دى هى اللى شالتنى عشان متحوجش للمستشفيات العامة.. الجزمة دى هى اللى لا علاوات ولا مكافئات عرفت تجددها، الخياط هو اللى كان بيحيها وتعيش معايا صيف وشتا.. الجزمة دى هى اللى خلتنى راجل قدام نفسى وقدام عيلتى.. من غيرها كنت همشى عريان!.. الجزمة دى هى اللى كل يوم بتفكرنى بحالى.. شايلة همومى.. مبقاش فيها خرم متخيطش.. ولا كعب تتسند عليه!.. و فى وطنى سعادتك شايف الجزمة دى "مشاوراً تجاهها".. هى نفسى !. حضرتك متخيل راجل فى جسمه تمن تسع سكاكين !؟ حضرتك ُمتخيل انه يقتل نفسه و لا يخلع سكينة سكينة؟!.

 الرجل الثالث: شاب فى أواخر العشرينات، ملامحة جادة وصارمة كالصخر، ويرسم نوع من الخوف بفرع طوله، و نحافته الشديدة.
-اسمك عمر حسن المرشدى؟.
-بنظرة ثابتة: أيوه.
-طلبت ليه تكون فى المحكمة؟.
-بايد نصف مرتعشة وعين زائغة: بسابق الموت، وهنا آخر محطة.
"لم يُعلق القاضى كأنه سلّم أن اليوم هو اليوم الأعجب"
-بدأ عليه استجماع أفكاره كى يبوح بها دفعةً واحدة: أنا ابن حسن المرشدى رجل الأعمال، عايش لوحدى بعد مع أهلى ماتوا.. دُقت لذّة كل حاجة فى الحياة ممكن تتخيلها، مخدرات، و دعارة للجنسين، سفر فى كل بلاد العالم، حتى الغابات روحتها، أكل، شرب، كل حاجة!.. لكن لذة تانية عبقرية لما شفت واحد بيموت بخبطة عربية!.. لحظة طلوع الروح وكأنه بيحضّر الموت وبيتكلم معاه بعينيه الواسعة!.. بصيتله وعرفت إجابة "الروح فين؟".. الروح فى إيد الموت!.. عايز تشوفها وتحسها، اتفرج على واحد بيتألم فى الموت!.  لذة أحلى من كل البنات اللى نمت معاهم!.  قتلت، ودبحت ناس أكتر مما تتخيل! ببعت المساعد بتاعى لأحياء شعبية يعرض عليهم يجيبو لى واحد أو واحدة، وميبلغوش عن اختفائهم، مقابل نص مليون جنيه!.. أول واحد قتلته كان بخمس طلقات فى رجليه الاتنين لحد ما ينزف، عشان أقول للموت: "بايدى أسلمهولك بطلقة فى الراس، وبايدى أسلمهولك واحدة واحدة"!.. بايدى أغلى وأعظم شىء فى الكون، الروح!.. و إغتصبت بنات وستات وعواجيز ودبحتهم وهما فى الذروة، و اللى خنقته بحبل، واللى خليته يبلع زيت مغلى!. دفنت كل الناس فى بدروم فى الأربع قصور.. أجمل ما فى طلوع الروح، إنك بتستدعى أقوى مخلوق فى العالم الأرضى والسفلى والعلوى، عشان يستلم هديتك بنفسه!.. قتلت كل أنواع البشر، حتى الأغنية، لكن بتمن أعلى!.. الناس هتمشى على أسفلت من جثث البشر!.. وجه الوقت أواجهه هنا، أشوف روحى وهى بتطلع شكلها ايه! والرعشة اللى فيها بيسلم الجسم على الروح، وقفلة العين كأنها ستارة شافت المسرح وفهمت الحكاية!.. هنا الحلبة بينى وبين الموت.. هنا آخر المشوار!.

جاء دور القاضى لحسم الأمر، وسط القابعين خلف الأسلاك الشائكة، و رجفة القلب كثائر يبحث عن حُريته، و استعداد الموت لاصطحاب المُختار الجديد لنهاية الدرب.. ليكون حكم القاضى هو: " فى اليوم المائة وسبعة وثمانين، و بعد سماع الثلاثة المُتقدمين للمحكمة، وبعد المشاورة، قررت المحكمة الحكم على المدعو عبداللطيف السيد عثمان".
"يتقدم الرجل الأول وفى عينيه دموع شوق تفتقد الحياه.. خلفه حارسى الأمن متوجهين لمنصة الاعدام.. ليعدم شنقاً".

بعد تنفيذ الحكم، يكرر القاضى التنبيه اليومى بما يلى: "عند كل باب منزل، رجل أمن يمنع القتل أو الانتحار، فاذا حدث، ُيعدم القاتل بأقصى أنواع القسوة، كالإعدام على الخوازيق أو بالحرق.. أما المُنتحر، فيُحكم على بقية عائلته بالموت شنقاً. انتهت المح..".  فجأة، قطع القاضى صوت صريخ الرجل الثانى الممتزج بطعنات سكين الرجل الثالث، وهو يقول: " هنا آخر المشوار !! هنا آخر المشوار !! ".

غداً، ميعاد آخر لمحكمة الرحمه.. والجميع يبحث عن لحظة وقوفه فى الجانب الأيسر من المنصة!.. جانب القفص الحديدى الذى يحمل فى جوفه ثلاثة أشخاص، الأوفر حظاً سيكون الفائز. لينال الآخران شرف خدمة العاصمة الأم للنظام !. هو الموت مُتمثلاً فى شخص يبحث عن عملة ذهبية أسفل جبل صخرى هائل، وأنت العُملة! هو حين يصبح الدم الغاز الذى يُشعل ترس ماكينة النظام! هو حين يكون العقل والروح وجهان للنرد بين يدىّ الحاكم! هو حيث صنع المزيد من المُتقدمين.. لطلب الموت!.

رحلتى فى المسجد !

أستعد الآن للنزول.. وما أحلى الخروج باصطحاب هدف، وهدفى اليوم هو المسجد!. سأترك المنزل لا لـ"تغيير عتبة" أو صحبة الأصدقاء على ناصية الشارع هروباً من تعنت الوالد على عدم تعدّى نفس العتبة! أو القانون الدراسى فى الامتحانات الذى يُحتّم ممارسة بعض الصلوات فى المسجد و الاعتكاف اذا لزم الأمر، ولكن كما تعلم "الوقت أضيق من الهوت شورت" ! والدعوات رجاءً من الله غزو الكائنات الفضائية لكوكب الأرض و تأجيل الإمتحانات لأجل غير مُسمى. ولكن هدفى اليوم، هو الكشف عن هوية المُصلين.

أثناء نزولى دار حديث بينى وبين والدى، ليقول..
-رايح فين؟.. قالها وهو يتابع النشرة الاخبارية.
-رايح أصلى فى المسجد.
ترك متابعة النشرة، وخصوصاً فى النشرة الرياضية، ولا يترك الرياضة الا وكان الأمر عظيم، ثم نظر لى نظرة ثاقبة توحى بأننى على وشك تسليم نفسى للقاعدة، وأنا أنظر اليه منتظراً قوله، فضحك، ضحك حتى احمر وجهه، ثم قال..
-تعرف ان انا وامك كنا برضو بنضحك على ابهاتنا و نقولهم اننا رايحين درس لمولانا الشيخ فى المسجد، وكنا بنتقابل من وراهم ونروح نضرب حلابسة ؟!.. آآآهخ كنت صايع زمان ! فامتصعش عليا !.
-بهدوء، تركت المفاتيح من يدى، و قلت له: لا يا بابا حضرتك فهمت غلط، انا نازل فعلاً أصلى فى المسجد عشان أنا محتاج أصلى فى المسجد !.
-نظر لى نفس النظرة الثاقبة مع الحركة الجاسوسية البحتة، كلمس الذقن بيديك احتكاكاً ورفع الحاجب الأيسر، عسى تنيره الحركة فيما لا يعلمه، ثم قال بهدوء: متصعش عليا قلتلك، يعنى هترجع هنا بعد الصلاة؟؟
-أيوه يا حج والله، هتلاقينى هنا بعد الصلاة ما تخلص.
-تمام، ولو صعت عليا، هشيل البلايستاشن من هنا ! انت عارف ان ابوك ممكن يتقلب فى فلوس.. فى الكلسون، لكن محدش يصيع عليه !.
-ماشى يا بابا.. بعد اذنك بقى عشان ألحق السنة.. سلام.

خرجت من البيت، وهو ينظر لى النظرة الثاقبة متأثراً بمسلسل "بريكنج باد" حاملاً أن أعود بعد الإنتهاء من الصلاة.. المسجد يسكن الناصية الثانية من الشارع، توجهت اليه وأنا أنظر لأصحاب المحلات الذين ينتظرون أذان الاقامة، هناك عم أحمد صاحب السوبر ماركت الذى يتابع التلفاز فى حماس شديد يساعده كيس شيبسى طماطم على الاستمتاع، بجانبه الأستاذ فخرى صاحب أدوات السباكة يسبح بحمد الله فى المحل، و آخرون يقبعون بداخل محلاتهم لا يفقهون أن هذه الدقائق لن تجعل محلاتهم شركة مايكروسوفت !. تقدمت لنزع حذائى وقد تكوّمت عدة أحذية وشباشب عند الباب، وآخرون يحرصون على دسها فى مكان آمن بعيد عن امكانية "حرامى الجزم" سرقتها. تكوّمت آخر صف لأشاهد كل ما يحدث، قطع ذهنى رجل يُبعد جميع الأحذية كى يضع حذائه الملىء بالطين فوق حذائى، فذهبت اليه، وقلت..
-بعد اذن حضرتك، ممكن تحط الجزمة بتاعة حضرتك فى مكان تانى، بس عشان جزمتى و الطين وكده.
-نظر لى نظرة اشمئزاز، ثم قال: هو انت اللى هتعلمنى النضافة !؟
-تمالكت أعصابى، وأظن أن رجلاً متزوجاً فى أوائل الثلاثينات ، يحتاج أنفه وشفتيه فى بعض المواقف، فقلت: لا العفو حضرتك، بس بعد إذنك عشان فيه أماكن تانية فاضية ممكن نحط فيها الجزم غير فوق جزمتى.
لم يرد علىّ، فقط نظر لى وتمتم بكلام أظنه شتائم، لكن لم أسمعه، المهم أنه فعل ما كنت أريد. مكثت حيث كنت، وأثناء رجوعى، أخذ يتهامس بعض كبار السن الجالسين على الكراسى البلاستيكية فى الأحاديث السياسية، وهم يحللون المؤامرة الماسونية فى سوريا، وتأثيرها على انخفاض بيع اللب السورى، وكيف أن ارتفاع سعر البنزين سوف يُخلصنا من مشكلة بزر البطيخ !. كى يؤذن الموذن للصلاة.

قبل الانتهاء من رفع الأذان، استعد المصلون للصلاة واكمال الصفوف الأمامية، وأنا أنتظر فى الوراء، مهمتى هى لقف الملاحظات وتعيينها اليوم، سامحنى يا الله!. يبدأ الامام فى النظر للصف الأول، ليطلب اغلاق الموبيل، وأيضاً "إستقيموا يرحمكم الله". كأن هذه الجملة صافرة حكم لبداية مباراة لكرة القدم، والإصبع الصغير هو الكرة !. يلتفت المصلون يميناً ويساراً وهم يلوّحون للمتأخر أن يسرع فى خطواته ويجذبون آخر من بنطاله أو جلبابه حتى يكتمل الصف، ثم يُغرس اصبعه الأصغر فى مثله للذى بجانبه، حتى أنه يتوتر عندما لا يشعر بصباعه الصغير، فلا يهدأ حتى يلصق اصبعه فى اصبع صديقه المُصلى !. ثم نادانى أحدهم، ليقول :" مش هتصلى يابنى؟؟ انت قاعد عندك بتعمل ايه؟؟"
-وقفت وجعلت من نفسى رجلاً يستعد للوضوء، فقلت :" المحشى بقى يا حج مش بيسيب الواحد فى حاله " !. قبل أن يُكبّر الإمام، نظر لى الرجل نظرة ثاقبة ! هل يعرف أبى؟!.

توجهت للحمامات، لا للوضوء، ولكن لتفعيل بعض المياه كى لا يقلق هذا الرجل على جزمته !. ثم دخل أحدهم، رجل فى الأربعينات،  ليترك جميع الأحواض السبعة كى يكون بجانبى !.. توضأت رغماً، وأثناء الوضوء، جاءه هاتف يحمل شعائر بصوت الشيخ الشعراوى، كى يرد ويقول: "ألو؟.. إزك آباشا؟؟.. آه والله فى نعمة الحمد لله.. هو عبمنعم مجاش الشقة؟؟.. طب تمام، هخلص أنا صلاه وأجيلك على طوول باشا.. ماشى يا باشا سلام سلام مع الف سلامة". أغلق الهاتف كى يصب الحديث لى..
-والله يا باشا من غير مقاطعة للوضوء يعنى، الناس مبقاش عندها صبر ! و لا حتى العيال بقى عندها ضمير ! الولا الصبى أبعته "يقذف المياه من فمه" عشان يشوف الكهربا بتاعة شقة جديدة، ويقولى رحت وملقتش الراجل، والراجل متسكع هناك من الصبح ! طب أعمل ايه أنا يا ريس؟! قلت أروح أنا هقضى المصلحة وأريّح الزبون وبعدها أشوف حكاية الولا ده ! ولا انت مش معايا؟!
-كنت قد فرغت من الوضوء وهو على وشك الانتهاء، فوضعت جملة تقف أمام مجرى مائى من الحديث الذى لن ينتهى الا بشنق الصغير، أو سباب الرجل صاحب الشقة، فقلت: ربنا معاك يا باشا.
-رد سريعاً وقام يجلب محفظته من خلفه كى يعرض علىّ الكارنيه الخاص به، ويقول: الله يكرمك يا باشا، وده الكارت بتاعى لو احتجتنى انا تحت امرك.
-ماشى يا "قرأت الاسم" اسطى حسن، بس نلحق الصلاه الأول.

اتخذت مكانى فى الصف الخلفى، و الرجل دون ترتيب ملابسه، يقف فى الصف يتساقط منه بعض قطرات المياه. يظهر صوتان مختلفى الوضوح، الصوت الأول هو صوت من يدعُ أثناء السجود ! يدعو كأنه يُغرق رأسه فى برميل من الماء ثم تقذفه خارجاً، يأخذ نفساً ويدعو ! حتى أنه ليكون مستفزاً وأنا فى الصف الخلفى !. و الصوت الآخر هو صوت نغمات الموبيل، كى يصبح المسجد بديلاً شرعياً عن الميكروباصات فى معرفة النغمات الجديدة. ثم انتهت الصلاه.

أخذ يقوم البعض بأداء السُنة، وآخر يحاول رسم خريطة المسجد بعينية بحثاً عن الثغرة التى يهرول منها للخروج !.. و الشخص الذى يستحق تصويب قذائف الهاون عليه، هو من يقوم ياغلاق الصف كاملاً بحيث لا يترك أى مساحة لمرور من أمامه عند الافراغ من الصلاه، بل هو مُتأخر أيضاً !. أذهب لجلب حذائى استعداداً للخروج، وللشحاذين القابعين على باب المسجد. أُعطى أحدهم جنيهاً، ثم أذهب للبيت، ليقابلنى والدى وهو فى نفس موضعه يتابع تحليل أخبار العالم بعيون ثاقبة مصدر خبرتها من مسلسل رأفت الهجان، وكونان. وهو يكرر تعليقاً واحداً: " العيب فى السيستم يا بشر.. العيب فى الدنيا !! ".  فتذكرت أن العبارة الصحيحة والمقصود اعمالها هى: " استقيموا فى حياتكم يرحمكم الله " !.


ساعاتى الأولى على كوكب الأرض !

حركة اهتزازية تحاول وضع بصمتها على المركبة الفضائية.. تهتز بعنف.. تهتز أكثر عنفاً لتدفعنى للخارج، بمساعدة بعض الأصابع الغليظة، حتى أغدو إلى حياة و زمن آخر، يُنهيه أحد ما، بمنتهى الروتينية، بقطع شريان الحياة بينى و بين المركبة كأمل أخير!.

يستقبلنى الجمهور، المُنتظر، ووالدى صاحب الأسطوانة الدائرية أسفل صدره، و الجزيرة النائية التى تُغطى رأسه، مصوّبين هواتفهم المحمولة تجاهى، لن أقوم بالقاء الخطبة الجمهورية اليوم على كل حال !.. ويصنعون من وجوههم طلاسم تعبر عن فرحتهم، عدا ضيق وجه "عمو فخرى و طنط سعاد" لعلمهم أننى فتى !.

ها هى المركبة الفضائية التى دفعتنى عن طيب خاطر إلى المجهول !.. تبدو مُنهمكة كأنها صُدمت باحدى الصخور الجبلية المتناثرة فى الفضاء قبل وصولها لكوكب الأرض !.. أو أننى فعلت ما ليس علىّ فعله ! حتى أتصوّر أننى هزمتها فى مباراة للملاكمة فى الجولة التاسعة، ولم أتلقّ ضربة واحدة !.

بين ذراعيها، تضع رأسى تجاه ثديها، ليعتصرها فمى، بكل تلقائية، حتى أفرغ، ومن ثمّ أطلب المزيد !.. لكن معدتى المتناهية الصغر لم تُسعفنى فى مقدار ما وددته !.. فلقد أحببت هذا السائل.. المُخدّر !.

أغدو فى لفافة زرقاء مُحكمة الجوانب، منعاً "للفلفصة"! ويعترينى الخوف من صاحب الأسنان الصفراء، كأن يكون مخموراً ويتجرعنى دفعةً واحدة ليظفر ببقاياى فى هواء لا توجد فيه ذرة أخرى تستوعب التلوث ! التلوث الذى يُضفى على رئتى المنكمشتين، انكماشاً !.

يتحوّل عنى صاحب الأسنان الصفراء، لأشاهد السفينة الأم تعتدل قليلاً وهى تتجرع ما يبدو عليه أنه يورانيوم، لكن لماذا يطلقون عليه "المغات"؟
لماذا فى الغالب تكون، مؤخرتى الوردية، محور حديث مضحك؟
من هذه السيدة صاحبة الصوت المدوى الصادر من حركة عضلات لسانها مع الصراخ فى آن واحد؟
طقس جنائزى سعيد بشىء ما !
ولماذا يدور حولى بعض الصغار مرددين بعض التعويذات بتلك الديناميكية؟

أتحوّل ليد شيخ يعتبره الأهالى، نبياً مغموراً، يُقبّلونها كلما شاهدوه !.. أو كقطعة حلوى فى فم هؤلاء الوجوه البهلوانية، يودّ الجميع لو يتذوّق طعمها !.. يشبهن السفينة الأم كثيراً، غير أنهن بحالة جيدة.. يُطبعن قُبلاتهن اللطيفة، و أتنقل بين أحضانهن الدافئة بأثدائهن الناعمة !.

ما هذه الخدمة الفندقية الرائعة؟!.
يحملنى الجميع فى سعادة غامرة!
الطلبات مُجابة، فقط أصرخ!
قُبلات لا تنقطع!
نهر من لبن تملكه وحدك، و يملأ جوفك أغلب الأوقات!
التنقل بين أحضان حسناوات المجتمع !
يمكنك تصور كم هو ظريف أن يبلل المرء ملابسه !
لماذا لا يحصل الجميع على مثل هذه الخدمة الرائعة؟!
كيف يعيشون حياتهم بغير هذا التودد؟!

فليكذب علىّ أحدكم ويقول لى إن الوضع سيستمر للأبد !.


الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

حارة الزعابلة !

المكان :



الشوارع مُمتلأة هذه المرة، الأحذية لم تترك مساحةً لتنفس الأرصفة، و أشعة الشمس دخان سيجار زفرتة الشمس عن طيب خاطر فى كوكب الأرض !.. تبدو المدينة منهكة هذه المرة !.. و النهار قد رسم ملامح هذا الحارة العريقة.. يتعددها مُنحنيات لحوارى أصغر جانبية، نهايتها يقطنها ميدان بلا أشجار !. اذا نظرت لهذه الحارة المُتشعبة من الأعلى ستتخيلها كما تخيلتها دائماً.. كابورياية !.

حارة الزعابلة :

خطان متوازيان تتمثل لمنازل صغيرة عشوائية، تُميزها حجم " البوكسرات و الكولوتات" المختلفة اللون و الحجم على منشر الغسيل !.. والنساء المُتحاكيات فى "سفالة الأمور" يكسرون حاجز الروتين الذى يملأهن كالزيت فى دمائهن !..  عربة الكبدة و السجق لعم "فوزى" تأخذ إحتراماً خاصاً لما يقدمه من ساندوتش بجنيه و ربع، و بجنيه لكل من يجلب كلب خارج الحارة لذبحه و حشية فى ساندوتشات على بضعة أيام !.. و على عرش هذه الحارة " قهوة المعلم عطية " ..قهوة "عطعوطى" كما تردده زوجتة "حسنات" وسط الأحاديث، أو المعلم عطية هى إله آله الروتين، حفرة وُضعت فى المنتصف تشتم الكسل و الملل لتغرقك فى النهاية بأموالك !.. جوار القهوة تتراص دكاكين ُتضفى على الحارة شيئاً من الروح و ضروب العلاقات الإنسانية، من دكان حسن العجلاتى، لسمير الحلاق، و بقالة رجب البقال.. كما تشهد الساحة فى منتصف الحارة بضعة أطفال يلهون و يتحرشون بالمارة، و عند أبواب المنازل تفترش بجانبها بائعى الخضراوات و الفاكهة.. و الأغانى الشعبية النشيد الوطنى لهذه الحارة، التكاتك الكائن الهُلامى اللزج الذى يتحرك وسط كائنات أخرى يشبهونهم، و يدّعون أنهم من فصيلة "حواء" !. الإستحمام لغة لم يتقنونها بعد، أسطح البيوت مزرعة صغيرة لتربية الدواجن، و سكناً لقُبلات الغارمين. و يوجد المسجد الصغير فى آخر الحارة مكاناً دافئاً للمتخاصمين أو المطرودين منه عن الصلاه. 

السبت، 22 نوفمبر 2014

كل شيء يبدو على ما يرام !



أنا الآن أجلس في شرفة منزل
أتناول قهوة الصباح التقليدية
الجو بارد
المكان هادىْ للجنون
أنظر للسماء
كل شيء يبدو على ما يرام

السحب تتجمع ببطء في كتلة واحدة لترسم وجهاً عابساً دامٍ الفم أحمر العينين.. يبدأ الفنجان بالاختلاج..
الأرض تهتز كما لو أن الشرفة ستنزع من جسد البناية.. تُنتزع الشرفة.. لكنها تطفو في الهواء على بعد أمتار من المسكن المنهار، وكأنها تتيح لي فرصة مشاهدة منزلي أنقاضاً سرعان ما تتبخر على هيئة سرب عملاق من فراشات صفراء تندفع نحو السماء..
كل شيء يبدو على ما يرام.

تهبط الشرفة بسلام على أسفلت الذي تحول ملمسه لما يشبه المطاط.. مجرد أن تلمسه قدماك لتجد نفسك مقذوفاً بك إلى الأعلى أمتاراً.. الكلاب الضالة تنظر باندهاش.. القطط آخذه في التضخم لحجم الأُسود.. يرتفع أبى مربع من الأرض ليحملني طافياً كالبساط الطائر.. يبدو وكأنني علقت بإحدى آلات الزمن المعطلة، أم أن الكوكب تحت تأثير المخدر؟.. ينطلق بى البساط في طريق طالما عرفته، لكنه الآن ليس كما عاهدته دوماً.. الدكاكين يبرز منها أشخاص ذوى قرون يبيعون أشلاء بشرية مقابل مقابل أرجل الدجاجات.. يحوم في الهواء على بعد أمتار منى أطفال مجنّحون يلهون بالمارة.. على جانبي الطريق الرايات مخترقة الرصيف، و تنفجر الأحجار عن هياكل بشرية  تنفخ الأبواق في محفل مهيب.. و عجوز تجلس على حافة الطريق تبيع مناديل ملطخة بدماء الحرب.. الجميع يتحركون ويركضون و يتعانقون و يتبادلون التحيات بينما يغطون في نوم عميق..
كل شيء يبدو على ما يرام.

يلتف حولي أربعة مشعوذات يرتدين الأسود و تفوح منهن رائحة الرماد.. تخلو وجوهن من كافة الملامح.. يمسكن بى و يحكمن قيدي، ثم تفتح أحداهن فمي لتضع حبة منقوش عليها أحرف لاتينية، أبتلع الحبة لا إراديا كأنها تعرف طريقها لأحشائي.. تتبخر الراهبات غريبات الأطوار و هن يرددن : " عند الارتقاء.. يكمن الجنون.. عند الارتقاء يكمن الجنون ". أقف مذهولاً و شيء من الوخز يضرب لحم كتفي باطنياً..
كل شيء يبدو على ما يرام.

فجأة يتكسر عظام كتفي و يتمزق اللحم مُتمخضاً عن جناحان عظيمان ناصعا البياض يمتدان على جانباي تتساقط منهما ريشات تتحول لأرانب صغيرة زرقاء فور ملامسة الأرض.. الألم رهيب، لكن رهبة الطيران بجناحين  لأول مرة تطغى على المشاعر كافة..
كل شيء يبدو على ما يرام.

ومع أول تجاربي مع الطيران، ما إن نفضت الجناحان الهائلان حتى أصبحت أرتفع بسرعة غير معقولة في الهواء، مصطدماً بالأطفال المجنحين الذين يلهون بالمارة.. أتجاوزهم إلى طبقات أعلى.. أنظر خلف النوافذ.. أرى ناس سكارى يتساقطون من النوافذ كما يتساقط الريش من الجناح الطائر و يقعون فريسة سهلة في أيدي الأطفال المجنحين الجياع.. هذه النافذة تبدو ملجأ مناسب.. أقف الآن على حافة النافذة التي تجاوزت الطابق السبعمائة في مدينة لا تتجاوز منازلها الخمس طوابق.. كم من الصعب التنقل داخل شقة سكنية بجناحي عنقاء عملاقين.. إن فكرة الطيران تكون مناسبة في العراء فقط.. الآن أمام باب المطبخ، تقف هناك سيدة زنجية  ذات أربعة أذرع تطهو الطعام بسرعة جنونية لسد أفواه ما يفوق الخمسين طفلاً.. تستدير السيدة لتجد أن لها وجه كلب جيرمان شيراد، و فجأة و بدون إنذار ينطلق خلفي هذا المخلوق رباعي الأذرع نابحاً مطلقاً سيل من اللعاب على الأرض و تبدأ مطاردة مررنا فيها على غرفة تحتوى على العشرات من صغار هذا المخلوق وهم في ذروة الجوع.. لا أعرف كيف نجوت و لكنى وجدت نفسي أخيراً في غرفة غريبة نوعاً ما، قمت أولاً بإيصاد بابها العجيب لأجد أمامي بعض التجهيزات التي لا تصلح أن تكون ذات صلة بشقة سكنية.. فلدينا أجهزة قيادة القطار كاملة المعدات..
كل شيء يبدو على ما يرام.

الأمر يستحق الاستكشاف حقاً.. مازلت أعانى مشقة حمل جناحا العنقاء.. الآن نبدأ العبث بمفاتيح عشوائية، نضيء الأحمر، نغلق الأخضر، أنزل الكابس، أرفع الكابس.. تبدأ الأرض في الاهتزاز.. لحظة سكون.. العالم يتحرك حركة عجيبة و كأني آخذ في الهبوط.. أسرع للنظر من النوافذ المستديرة.. و بالفعل إن المبنى آخذ للهبوط، و ليس الانهيار.. إنما نغرس في الأرض و كأن أحد العمالقة يضغطه كالوتد على الأرض.. هذا الشيء الغريب ليس بناية فحسب، بل قطار، نعم بالفعل هو كذلك.. قطار يتحرك مخترقاً الأرض في رحلة أبدية.. و من الواضح أن حظي الغريب سيمنحني تجربة غجرية تستحق المشاهدة بجانب ما شاهدته.. فتتأهب الأرض فأنا أخترقها، و لينحى كل هيكل عظمى أشلائه بعيداً حتى يكون رقوده في سلام..
كل شيء يبدو على ما يرام.

يخترق القطار العظيم، و النوافذ تظهر الهواء الرفيع، السحاب الكثيف بأشكاله الملائكية، المباني الصغيرة، الأطفال المجنحون يلهون في أقرب طبقات الهواء ملامسةً للأرض، ثم يبدأ اختراق غرفتي في الأرض، هنا طبقة معتمة نتاج صنع الإنسان الحديث هي مادة تافهة طبعا، تليها طبقة الموتى، فالهياكل العظمية، فالهياكل العظمية المتحركة في حياة متكاملة تحت الأرض، متشبثين بحواف النافذة من الخارج ليراقبوا النور المنبعث من الداخل حنيناً لضوء الشمس، فيجرفهم التيار الصخري..
كل شيء يبدو على ما يرام.

حرارة الغرفة آخذه بالارتفاع.. الآن أبدأ التوغل في طبقات الحمم الداخلية.. الأمر ليس كما وصفوه لنا في الجيولوجيا الإنسانية على الإطلاق.. لا سائل برتقالي اللون.. لا فقاقيع منبعثة، إنما الأمر كله عبارة عن فراغ أسود قاتم لا شيء فيه.. فجأة يتوقف كل شيء.. تتوقف المركبة الغريبة.. يهدأ هدير المحركات.. تنطفئ الأنوار.. سيكون الأمر محرجاً لو علقت في طبقة من الهياكل العظمية المتحركة أو المذؤوبين.. أتلمس الطريق بحثاً عن النافذة.. يصدر فجأة من باطن الأرض وميض براق يُذهب الأبصار أغلقت له عيناي رغما.. أفتح عيناي..

أرى السماء و قد تكاثفت بها السحب على هيئة رجل عابس
الفنجان يختلج
القهوة مازالت ساخنة
المكان هادىْ للجنون
كل شيء يبدو على ما يرام

من الأفضل حفظ المخدرات بعيداً عن هذا الكوكب، و ليس عنى !.

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله



الجمعة، 31 أكتوبر 2014

الكاميرا !



Written With Hans Zimmer -Tennessee.

المشهد الأول:

رجل يرتدى بيجامة منزلية، ساكن أمام مرآه مُعلقة على الحائط تُظهر نصفه الأعلى، و بعض من أجزاء الغرفة كالنافذة و الدولاب و السجادة النائمة على الأرض.. بعد ثوانى، يتجه يساراً ناحية الدولاب.

المشهد الثانى:

يضع سيارته فى حيز بجانب الرصيف، ليسير صاحبنا فى الشارع وسط الكثير من الناس غير مُكترث بالطريق، لا يعرف إتجاهه، يسير للأمام فقط مُرتدياً بنطلون جينز و قميص يعطيان مظهراً لا بأس به، و فى يده كاميرا ديجيتال يربت عليها جيداً. و يخطو..

المشهد الثالث:

يرفع الكاميرا على عينيه كى يسجل لحظات لأُناس يضعون بصماتهم فى كتابهم الأُخروى.. و مهمتة، تسجيل هذه اللحظة، و الأهم هذا الفرد.

-النموذج الأول: رجل يرتدى بذّة قيّمة، يخرج من سيارة موديل السنة تُعطى إيحاء أن للثراء فُحش حقيقةً.

-النموذج الثانى: شاب فى العشرينات ،واحداً من الأولتراس، يرتدى فانلة طُبعت عليها رقم ( 72 )، حاملاً حقيبة سوداء على ظهره، و يغرس الهيدفون فى أذنيه غير مُكترث.. إلا بقضيتة.

-النموذج الثالث: بنت فى أوائل العشرينات، مُنقبة  تقف عند بائع جائل يبيع الدبابيس المحفورة بكلمات تُعبّر عن شخصية حاملها، و قد أخذت دبوس يحمل " المجد للشهداء ".

-النموذج الرابع: إمرأة فى الأربعينات، تبدو كموظفات الحكومة، النهد المُتدلل، الخمار الزيتى، و قلباً يحمل جسداً على عاتقه.. تقف تتجادل جدال كهنة فرعون مع البائعين الجائلين على ثمن البضائع الصغيرة، و من ثمّ تبتعد مُنتظرة حافلة الشركة التى تمتلأ بالموظفين كما يملأ الصفار البيض !.

-النموذج الخامس: شاب فى الثلاثينات، زرع فى وجهة لحية ثقيلة نوعاً ما، يتمم على إغلاق أول زرار فى القميص بيد، و اليد الأخرى تحمل كُتب الجامعة.. يبتسم إبتسامة يدفنها فى الأرض مع وجهه حارصاً على تواجد يديه بجانبه.

-النموذج السادس: بائع جائل يبيع الذرة المشوية، ملابسه لا تدل الا على أن ماكينة الخياطة قد أحيت شيئاً فيها، تداعبة نسمات الهواء، لتخفف عليه قليلاً و هو ينادى على الماريين ب"كوز درة يطرّى عليهم" فيُقبّل المال الذى يأويه ويدسه فى جيبه حامداً شاكراً.

-النموذج السابع: طفل فى الثامنة من عمره تقريباً، يرتدى زياً أُحكم تناسقة الجمالى، وشعره الذى ينافس شعر فتيات المُراهقة فى النعومة "الطبيعية".. تُحكم سيدة بجواره غلق يديها جيداً عليه، وهو يتمسك بمحاولة الفرار، ليس من الحياة، ولكن من هذه اليد التى تضغط بالوتد على أول مسمار صنعته فى نعش "شخصيتة".

-النموذج الثامن: فتاة فى منتصف العشرينات، يخطف جمالها نظرات الرجال تلهفاً تَلهُّف أسماء على بضعه مياه تقطع بها نهر قد جف فى جوفها، و تخطف نظرات النساء غيرةً.. و الكعب العالى الذى يدق على أبواب مُغلقة فى أنفس الرجال حولها، آخذة فى السير تحمل حياتها خلف نظارتها الشمسية العريضة، و خطواتها تحمل خريطة مقصدها.

-النموذج التاسع: شاب فى بداية المراهقة، الموضة غسلته من "ساسة لرأسة".. حليق الجنبين ومن الخلف، تاركاً بعض من شعره فى المنتصف يعطى إنطباعا "ديكياً" نوعاً ما على مظهره.. بنطلون يغرق ولا أحد يُلبيه إستغاثةً، و يُشكّل تعرجات فخدية، و قميص أحكم إغلاق أزراره كلها من اليد و الصدر والرقبة، لا خوفاً من إنفلونزا، بل لتنفيذ أحكام قد وردت على لسان.. الموضة.

-النموذج العاشر: طفل، نعم طفل وإن بدا أكبر من مجرد طفل.. الطفولة هى الشىء الوحيد الذى يجب إتمامه، كى تستطيع أن تخطو باقى طريقك !.. ملابسة كحياتة، مُلطخة بالقاذورات و التراب الذى شيئاًُ فشيئاً يخلق من طريقة صحراء جرداء لا مُنجى فيها الا عزرائيل !.. يضع نفسه عُكازاً تتكأ عليه سيدة فى أواخر عُمرها لتعدية طريق أخذتة السيارات مجالاً للتسابق.. و الجائزة، جثة إنسان آخر !.

المشهد الرابع:

الكاميرا تُحذّر الرجل من نهاية مشوار بطارية قادتة لتسجيل صور و مشاهد عشوائية فى شوارع لم يعد فيها مكان لذرة تراب أخرى، و لا نفساً سوى غباء السيارات الذى يضيق بصدر المارة، و سيارات النقل العامة التى تشحن جثثاً إنقشعت حياتهم فى جسدهم بحثاً عن آخر الدرب.. فيغلق الكاميرا.

المشهد الخامس:

فى سيارته، يُخرج بعض من ورق المُلاحظات و قلم جاف، فى نفس الوقت الذى يتحرك بسيارته، يتذكر ما إلتقتهم صوراً أثناء سيره،  ويكتب على التابلوه و أحيانا على ساقيه و يرمى بالورق بجانبه فى ضحك، و كثيراً ما كان سيدهس ماراً فى طريقة، لكنه لا يبالى بغير إكتمال كتابتة للعشر ورقات !.

المشهد السادس:

ينتهى من كتابة العشر ورقات.. إنتباهه للطريق جاء مُتأخراً هذه المرة، ليجد نفسه غائباً عن الوعى بعدما دكّت سيارتة بعمود كهربائى فى جانب من الشارع، و الورق يتناثر بداخل السيارة، و كلمات تبدو أوضح عليه.. " حرامى.. بلطجى.. رجعيّة.. مُقززة.. ُمتعصب و متخلف.. سافل، كمثل باقى جيله القادم.. مومس.. لا يستحق الحياة.. مثل هؤلاء، أنصحه بعدم ترك البامبرز.. بائع مخدرات " .

المشهد السابع:

يفيق من غفوتة سريعاً، على السرير محاولاً اللحاق بضربات قلبه، و عن ما الذى حدث !.. يرفع الغطاء متوجهاً للمرآه لرؤيته أوراق تتطاير من بصيص هواء النافذة، و مكتوب علي كل ورقة الكلمات التى شاهدها فى حلمه !.. يجلب الكاميرا لتفرش هى الأجوبة على مائدة أسئلته.

المشهد الثامن:

شارع يحيط به العديد من الناس، تقترب الكاميرا من أحد الأفراد و هو يغلق سيارتة الثمينة و يُعدّل من ملابسه ليلتقى برجل يبيع الذرة يضع فى يده ظرف أبيض عريض يشعل سعادةً فى نفس الرجل صاحب الذرة.. تتحرك الكاميرا بعيداً، ثم تقف بحثاً عن صداقة تبتسم لها رغماً، رجل أخذت لحيته نصف وجهه، و شاب يرتدى تيشيرت الأهلى المطبوع برقم "72" يسيران بجانب بعضهما ضاحكين وقد أخرج الشاب من حقيبتة نفس الكتب التى يحملها الرجل ليحمسا بعضهما للمذاكرة للامتحان الذى سيواجههم بداخل الكلية.. تمر الكاميرا بمرحلة أخرى، بنت تحمل جسد keira knightley  تتحدث فى سعادة مع طفل ملأه التراب، تأخذه من يديه لمقصد أظنه حافلاً له من هذه السعادة و الفرحة التى نفضت عذاب أيام أو شهور من حاله.. تتوجه الكاميرا لناحية أخرى، سيدة تحاول قدميها حملها، و تُخرج الموبيل الخاص بها، ليبعث المُتصل فى روحها وقلقها الواضح قبل المكالمة، سعادةً تشق صخر عيناها لينفجر عن سيل من ماء عذب يُحيى آمالاً قد بُعثت من جديد !.. تغلق الموبيل لتقول لصاحباتها حولها فى سعادة غامرة : " على ابنى الكبير اتقبل فى الشركة الأجنبية دى  و هيبدأ الشغل بكرة و هرتاح فى آخر أيامى بقى !! والله لانتوا معزومين عندى الجمعه الجاية ان شاء الله و اللى مش هييجى هبعتله نصيبة برضو !!.. يا رب  لك الحمد و الشكر يا رب " ..وسط فرحة هذه السيدة، تُلقى الكاميرا بنفسها على منقبة تُغرس فى جانبها دبوس مكتوب عليه "المجد للشهداء" و تتحاور و تتناقش فى احترام متبادل و ثقافة سياسية أظنها محور حديثهم، مع شاب غطت جسده الموضة، بدلاً من تغطية تفكيره، جمعهم حوار سابق يجمع صديقتها و شاب تتحدث معه، و دخل حديثهما ضيفاً عليهما.. ينتقل الخط العريض الى آخر مساره  فى شريط الفيديو، سيدة تضع يديها على يد طفلها فى عصبية تمنعه من الحركة، ُدمية تتكلم بيد يديها، و هو.. مازال مُتمسكاً بالمحاولة فى رفض هذه اليد.

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله



الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

النهاية !




أنا سجين نفسي .. !

حياتي مُبعثرة في جوانب بيتي.. غرفتي تدفن ماضيّ.. الكراريس المحشوّة بقلمى الجاف، المكتبة المحشوة بكتبى كالاسنان فى الفم، و مضرب التنس المكسور.. أقوم بتلبية طلبات كل الأشياء التي تضرب الجرس على باب عقلى.. أتبول أحيانا في الشرفة على الماريين وعندما يشاهدني أحدهم يقوم بسب أمي أو أبى !.. ما علاقتهما بالذي فعلته بك؟! و لا أنكر أن هذه الشتائم تُسعدني حقاً.. أنصب حفل لنفسي و أضع مكبرات الصوت الخاصة بأجهزة الكمبيوتر في الشرفة، عند الباب، وفى منتصف الصالة، هو الصخب الذي إذا صرخت، فستكون القاضي على حنجرتك !. موسيقى تتلاعب بأعضائك، قوة تُحرك أطرافك عنوة، لماذا لا تصبح بديلاً عن  الفياجرا في العلاقات الجنسية؟.. أعتقد أنها شديدة لتلبية الغرض !... حاول أحد الجيران باستدعاء الشرطة ذات يوم، بعدما هددني من خلف باب الشقة، فقذفته بداخل المنزل نصف ساعة كانت كافية بأن يجلب موس الحلاقة و يقطع بها لسانه، ثم يمضغه، فيموت خنقا !.. لماذا لا توجد شرطة للمجانين في هذه البلد المكتظة بالعته و الجنون؟!.. الجنون ليس الذي يُبطل مفعول العقل، الجنون هو أنك لا تدرى نتيجة أفعالك !. و هذا الكرسي الخشبي الذي يجلس في منتصف الصالة وحيداً بجانب منطدة صغيرة، والمرآة التي تعكس صورة الكرسي أيضاً.. و كثيراً ما أجد أبى هناك !..

لم يعاملني أبى كولده أبداً، يأخذ من نفسى أرضاً واسعةً يزرع فيها الكُره، يتركني في البيت وحيداً كباقي أثاث المنزل !.. من وأنا في سن التاسعة من عمري، و هو لا يأتي مفرداً، بل بمومس يقضى الليل معها و يطردني من البيت، أو أيام  بصحبه أصدقائه يلعبون القمار و يتجرعون الخمر و السجائر الملفوفة .. و يجعلني خادما عليه هو و أصدقاءه.. هربت من البيت أكثر من عدد ضربه لى، و آخر مرة حاولت الهرب فيها، وجدتني الشرطة في إحدى الإحياء بعدما فشل أبى في العثور علىّ.. لا أعلم إذا كان في أشد غضبه من أي وقت مضى ﻷنني هربت مجددا، أم ﻷته فشل في العثور علىّ هذه المرة؟.. أخذ مضرب التنس الذي اشتريته من وراء ظهره، و راح يضربني به على رأسي و جسدي، توسلت إليه الا يضربني بهذا المضرب حتى لو ضربني بالساطور، فكان توسلي سبباً أكبر ليحطم هذا المضرب على جسدي!.. ظللت في غرفتي خمسة أشهر  أتلقى العلاج المتردد من دكتور صديق أبى في كل مرة يأتي فيها إلى المنزل.. حيث الكدمات على جسدي تأخذ طرقاً مُتشعبة !.. و أبى من الحين للآخر يرمى لي الطعام و يغادر. اسمى كان سُبه بالنسبة له، لا ينادينى الا بالغبى، و بعض الشتائم المقذعة.. أخذت من فراغى المرضى كتاباً أحاول تسطير حياتى فيه من خلال قلم جاف و كراسة صغيرة تحمل بين ثناياها كلماتى.. وأكتب.

كنت أنتظر النهاية، النهاية لأي شيء، حتى لو كانت نهايتي، سأسعد بها، سأستقبلها كأمى إذا بعثت الحياة فيها من جديد !.. أو تكون نهاية هذا الشخص –أبى- و شيء بداخلي يُحرك هذه الأمنية، كأنه يربض على كتفي و يقول لي : " لا تقلق.. سينتهي كل شيء قريباً ". بعدها ظللت سبعة عشر سنة أنتظر هذه النهاية.. المجهول.. الشبح الذي أخطو خلف خطواته.. و أنا أنتظر محطتي التي سأبدأ فيها البداية لكل شيء.. محطة النهاية !.

إستيقظت لأجدنى مُلقى على أرض غطتها الرمال الناعمة، ثم أعتدل كى يجاوب ضوء القمر على تساؤلى و أجده  مقبرة !.. ما الذي جاء بى إلى هنا!؟.. لا أحد سواى !.. ركضت بأقصى سرعة في كل الاتجاهات و أنا أصرخ للمساعدة، و لكنى لا أرى حدود هذه المقبرة من الأشجار الكثيفة و الظلام الذي يكسوها.. وجدت بيتاً أخيراً، أو هكذا خُيّل إلى في بادئ الأمر، اتجهت إليه سريعاً، وجدت الباب مفتوحاً، لكن لا وجود لأحد.. أصرخ ولا أحد يجاوبني، أين أنا بحق الله !؟.. أحاول العثور على أي مصدر للكهرباء، و أخيراً أجد مصباح بجانبه علبة كبريت صغيرة، يدي المرتعشة لم تفلح في إضاءة المصباح في بادئ الأمر، حتى أشعلته.. أتجول داخل هذا المنزل بمصباح إضائتة تكفى لرؤية قدمىّ فقط... ثم أدخل غرفة ما، فأجد سريري و مضربي !.. أنا في بيتي !!.. ما الذي حدث !!.. أين أنا !!.. تأكدت أنه منزلي بعدما أضائت كل الأنوار فجأة و صوت من الجلل قطعني، صوت أعلمه جيداً، أنه صوت أبى ! أهو هنا منذ البداية؟! لماذا لم يجاوب ندائي !.. قطع اسألتى صوت أبى و هو يقول في توسل و خوف " عن ماذا تتكلم ؟؟ لا أفهم شيء.. سأفعل كل ما تطلبه منى.. أرجوك لا تقتلني ! ".. خرجت مسرعا من الغرفة، لكن الباب كأنه تصلب في مكانه ! تمسكت بالمحاولة و أنا أصرخ لأبى و هو لا يجاوبني !.. ُفتح الباب فجأة و بقوة اندفعت للوراء !.. حملت نفسي سريعا و توجهت لأبى كي أجد عنقه قد قُطعت بسكين وهى بجانبه ! و باب البيت يُغلق من جانب أحد ما بقوة!.. الدم يسيل و يتفرع في أرجاء الغرفة و يتحول لثعابين تحاول الانقضاض علىّ و هي تقول بصوت مبحوح " سينتهي كل شيء قريباً ! ".

صرخت حتى وجدت نفسي ملقياً على سريري و قلبي مسجون داخل جسدي يحاول الهرب و لا أستطع تمالك نفسي حتى بدأت أهدأ كلما تيقنت أنه حلم، بل كابوس !.. لم يكن مجرد حلم، بل شعرت بكل شيء حدث وتم فيه ! .. توجهت للخارج مسرعاً حتى أجد أبى مثلما وجدته في الحلم !.. ملقى على الأرض، عيناه جاحظتان في ذهول كأنه تحدث مع عزرائيل قبل مماته، عنقه قُطعت كشق بطيخة، و الدم يملأ نصفه الأعلى !.. و محفور على الجدار الذي يصوب عينة جملة تقول " سينتهي كل شيء قريباً " ! .  

إذن ما الذي حدث!؟ ما هذه الجملة التي تطاردني حتى في أحلامي ! و لماذا بعد نهاية أبى تستمر في ملاحقتي !؟.. كالمجنون أبكى ولا أعرف كيف أُلملم نفسي، أبحث في البيت عن هذا القاتل و كأنه تبخر!.. هل كان حلم حقيقي؟؟ ما علاقة الأحلام بالحقيقة!.. زرعت نفسي في جانب من البيت أبكى وأدفن رأسي بين قدميّ.. الحزن أم الاطمئنان؟.. حيوانان مُفترسان يصارعان بعضهما كي يخرج فائزاً على جثة الآخر !.. لا أعلم !.. المنتصف دائماً مخيف.. أن تكون في حالة و أخرى.. النصف بين الفرح و الحزن، الرضا و السخط، الحقيقة و الزيف. المنتصف هو حالة اللاحالة، التيه الكامل، العودة لم تعد خيار، إذا أشعلت الغابة، فليس من الشهامة إذن التضجر من صوت وقوع الأشجار !.. بعد فترة، قمت بحمله و وضعه في ملاية سرير و ربطه جيداً كي أنطلق بالسيارة و ألقيه في النهر فجراً.
لم تدم وحدتي طويلاً.. أثناء استحمامي و أنا أقف أمام المرآة رأيت أبى بعنقه المبتورة يمسك برقبتي و يحاول غرز السكين فيها، تلفت سريعا فلم أجد أحد !!.. كانت فقط البداية، و دائما البداية لا تأتى إلا وهى تحمل في جوفها .. النهاية !.

تعودت على أبى في البيت كما يعتاد شيخ المقابر على محادثة الموتى.. و نفسي بناية مهجورة تصلح لحكايات العفاريت.. كلما دخلت غرفة كنت أجده واقفا ينظر إلىّ فقط و أحياناً إلى الجدران ! و عندما أحادثة لا يتكلم، الموتى قادرون على الحركة لا الكلام أعتقد !.. حتى حدثني هو و أنا ارتمى على السرير .. فقال بصوت مبحوح و هو يقترب منى و فمه لا يتحرك : " سينتهي كل شيء قريباً"..  كأن الذاكرة سحبتني بداخلها كي أعيد مشاهد في طفولتي و غيرها.. الضرب .. مضرب التنس.. سريري.. غرفتي.. المقبرة.. البيت.. المصباح.. الظلام.. الثعابين.. الدماء.. و أبى !.. أفيق من غفوتي فلا أجد هذا الشيء أمامي !.
بحثت عنه، انتظرت مجيئه.. خرجت للصالة كي أجده يقف أمام الكرسي و ينظر إلى الجدران دون حراك ! ثم أصرخ فيه قائلاً..

-" ما الذي تريده منى !! ألن تتركني أبداً !! لطالما عشت معك و أنا مدفون في هذه المقبرة !! ".  

- بجديّة و بصوت فيه حشرجة و هو يستمر في النظر إلى الجدران كأنه يبحث عن شىء : " أنت طلبت النهاية، و أنا الآن أساعدك عليها ".

- النهاية التي طلبتها قد تحققت بموتك !.. لم أتردد فى مجاراته ولم أعط فرصة لقلبى بالخوف من كلامه الأول، و فى عقلى قد أخذ آخر درجة للغليان

- الليل سيطول هذه المرة، ليست ككل مرة !.. قالها و هو ينظر الىّ دون تعبيرات !

- لست أنت من تصنع النهايات على ما أعتقد !.. يستطرد كلامه كتسليم صوفى لحكمة تقليدية من فم نبى مغمور

-آثار أقدامنا مقابر مؤقتة لزمن عابر.. و ضجيجنا وشم فى الهواء.. الدرب ليس طولاً جداً

أغلقت عيناى رغماً لبركان يقذف كراتة النارية فى كل جسدى ! و يستطرد..

- الليل سيطول هذه المرة، ليس ككل مرة، الأرق سيملأ كل شىء، الأبواب موصدة، سنطفأ الأنوار، لكن لنسمح ببعض من أشعة القمر تُلهب حماس حياة مدفونة فى البيت..

اصرخ فيه و أشعر بحركة أحشاءى : " اصمت !! كفاك جنوناً و اتركنى الآن !! ".. يمزج صوتة بصريخى مستمر فى الحديث، وأنا أخذت جانباً أحاول السيطرة على المرض الذى يتغذى علىّ..

- سيمر كل شئ، وكأن أحداً لم ينتظره، ثم سنكتم أنفسنا، وبأعين مفتوحة من الذعر، سننتظر صباح لن يأتى.

توقف عند هذه الجمله ساكناً لا يتحرك له جفناً، و أخذت قراراً بأن لن ينتهى شىء الا بقتله مجدداً هذا الشىء، إذا ألمت أحد، فلا تتضجر من صوت صريخه !..

في غير اتزان تحاول قدميّ حمل جسدي، و أتوجه صوب هذا الشيء.. عيناه لا تفارقان عيني، كأنه يعلم ما الذي سيحدث.. أحمل السكين التي على المنطدة، و أقوم بالاقتراب منه أكثر، و هذا الشيء يقف في المنتصف دون حركة، ينظر لي فقط، و ابتسامة ليس لها معنى ترتسم على وجهه !.. و دون تردد  قمت بقطع عنقه.. و آخر شيء رأيته كان إنعكاس صورتي في المرآة و أنا أقطع عنقي، و كراسة صغيرة بجانبى آخر ما وردت فيها : " سننتظر صباح لن يأتى.. كل شى سينتهى قريباً ".

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

كلام مرايات

تعرف ان دى اول مرة ابقى متردد للدرجة دى ؟.. فى كل حاجة !.. مفيش تفصيلة بقول فيها حاجة الا و اراجع نفسى تانى و لما اتعب ، مفكرش !.. بنسى و بفتكر كلام ! كلام اتحفر خلاص فى ذاكرتى، و كلام كنت فاكره هيتحقق فى خطوات وطلع ولا حاجة.. و كلام ردم على كلام تانى بالتراب و كلام مدخلش فى الحساب اصلا ! ..عندك 100 حاجة بتفكر فيها ، او يمكن موهوم انك بتفكرى فيها ، او يمكن بتفكر بس مفيش علامات واضحة تبين انتى فى انهى طريق ماشية ! ماشيين ،، ماشيين ،، لكن عملنا ايه عشان نعلم الطريق اللى ماشيين فيه ؟؟ ولااااا حااااجة !!.. صور بس بتفكرنا بس بالطريق ده !.. صور تشوفها تنسى انت كنت بتفكر فى ايه و احيانا تعيط و احيانا تندم و احيانا تحزن و احيانا تكون ذكريات،، صح ؟؟؟؟؟.. و احيانا نتمنى انها ترجع و نصورها تانى و احيانا نتمنى اننا ننسى و لو مش عارفين نحاول و لو مش عارفين ندعى !.. حاجة اترسخت جوانا ؟؟.. المشكلة ان مفيش باب هروب من سجن الذكريات ! متحواط من كل مكان و الصورة ب1000 كلمة فتخيل هو عامل ازاى ؟!..

تبعد؟.. تبعد اكتر؟.. تستحمل؟ ليه؟.. تسامح؟ ليه مادام انت اصلا مش متسامح عمرك ما سامحت !.. تمشى الطريق؟ ولا تكمل؟.. فيه فرق وش !.. سبحان الله على الشبه بيننا و على كمية اللهم اعوذ برب الفلق اللى ممكن كانت تتقال فى ميت موقف، لكن كان المفروض كل واحد يحافظ على التانى قبل ما يقول قل اعوذ برب الفلق ، حرص و لا تخون زى ما بيقولوا ..و البعد هو احيانا، و فى كتير من المواقف هو العلاج الرسمى لاجعص مشكلة ممكن تواجه اى شخص باى حاجة او باى فرد..

الكلام بيوجع ! الكلام بيعلم فى نفس الانسان !.. انتوا ليه مش قادرين تستوعبوا ده قبل ما تنطقوا باى حرف ؟! ده الرسول هو اللى قالنا كده ! و ربنا.. و المشكلة الاكبر اننا بناخد حياتنا كلها كلام و فتح بوء و خلاص ، مصلحتى فين و اجرى وراها عشان امسكها و ابوظها عشان متجيش المصلحة لحد تانى !.. بنسمع كلام من اقرب ناس لينا و بناخد كلامهم موعظة حسنة ! من غير حتى ما افكر قبلها هو الكلام ده صح و لا غلط بالنسبة ليا !.. مفكرتش مرة تتنازل عن حقك ان يتقلك آسف و تقوم تعمل انت كده فى الاول ؟؟ .. ده حتى يعنى لو مغلطتش بس ارضاء للبنى آدم اللى قدامك و اللى بتعتبره على حد قولك انه مهم بالنسبالك ! .. تفسير كلمة مهم او حاجة بالنسبة لاى شخص لآخر فهى عبارة عن مراحل لازم يكون عدى بيها عشان يوصل و افعال اكتر توضح القول ده ، كل الناس عارقة و فاهمة دة جداااااااااااااا ، لكن التطبيق و الفعل زيروووووووووووو !!..

انت بتفتكر نفسك لما تلاقى اللى كنت فاكر انه مهم بالنسبة ليك هيمشى !.. دايما مش بنفتكر حياتنا الا ما تقرب النهاية !.. المشكلة الأعظم عند الانسان.. و الصراع الحيوانى الداخلى بين قراراتك انت صنعتها من قلبك و مشاعر و قرارات و حلول من عقلك و نفسك اللى داقت طعم الكلام و فنطتتة على حسب نوعة و المقصود بيه ، نفسك تردم كل ده ! صفحة جديدة ! ينفع اكمل الطريق و السواق مش عايز يكمل سواقة فى الوقت ده ؟؟!.. بتحاول تأكّل ال3 حيوانات هنا و هناك عشان كل واحد منهم يبقى راضى و يبقى مرتاح ! .. لكن انت بتاكلهم عشان يعيشوا على حسابك كده على فكرة !..و يا ريت افتكره بعقله ! افتكره بالتلاتة ! عقله و قلبه و نفسه ! .. ليه يوصل للمرحلة دى ؟؟.. و كلام قلته كان فى دماغك تنفذه بس بترجع و تقول المسامح كريم !.. لما تيجى تتعامل مع حد و تتكلم معاه و يكون بينكوا مواقف.. متنساش نفسك وسط كل ده فى النص، تايه و مش عارف تلاقيها، بتدور وسط كلام و افعال و مواقف و مشاعر رايحين جايين ! .. لما تلاقيها اوعى تسيبها تتحكم فيك ابدا و دايما اخضعها و اذلها "لله" بس و اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى ضميرك.. اعمل اللى يرضى عليه دينك و عقلك.. دينك و عقلك، دينك و عقلك، دينك و عقلك، دينك وعقلك، دينك وعقلك، دينك وعقلك، دينك وعقلك، دينك وعقلك..

 كل ده كلام معكوس من كذا مراية، صعب يتفهم زى ما هو سهل يتحقق !

المجد للشهداء
العبد الفقير الى الله

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

مَكتبة

مَكتبة ضَخمة بِرفوف مُتعددة يَكسوها التُراب و لا يتّضح غير القليل من كُتب ألوانُها تَكادُ تَظهر من شَبكة العناكب و التراب الذى يعلو سطحِها.. يَختلف عناوينها لمضمون حِبر سُكِبَ أفكاره على أوراقها.. كُتُب تُعبّر عن مواضيع الحياه كفروع ضخمة فى شجرة كهلة.. و ُكتُب أُخرى محفورة بعنوان " ليس للإطلاع " ..

فلم يحن الوقت بعد الذى يكشف المجهول فيه الستارة للجميع..

غُرفة ضخمة لا تعرف أبعادها من الظلام و اللانهاية التى تملأ أحشائها، ليس لها رائِحه مُمَيّزة، كأنه لا يوجد هواء من الأصل.. يوجد العديد من الصور الفوتوغرافية -التى لم تهرب من عاصفة التراب- لأشخاص فى أوضاع مُختلفة.. و أماكن أشعر بها وما دار فيها بداخلى.. ليس لها نهاية، آخر ما قد يستطيع نظرك الإتيان به هو مجموعة من الورق غير المُرتب على رفوف سوداء كبيرة، و فى الأعلى لافتة ضخمة تخطف نظرك عليها إسم ما و فوقها عبارة بارزة مرصعة بالذهب بعنوان " ذكريات "..

المجد للشهداء
العبد الفقير الى الله

الأربعاء، 16 أبريل 2014

الماركات

ما الذى فعلته ورقة حاملة لاسم شركة عالمى فى الناس؟.. أشترى ليه قميص ب700 جنيه لمجرد ان عليه اسم شركة عالمى؟ الاسم هيغسله و يكويه يعنى؟ نفس القميص هتلاقى فى محل ملابس عادى وما بين 100 ل200 جنيه!.. لكن فى مجتمعنا هى مش فكرة العلامة أو الشركة قد ما هى فكرة *الفشخرة* على الناس.. مع ان اللى بيتفشخر بهدومه على الناس، هو عريان بلبوص قدام نفسه.. وياما بيوت اتخربت عشان الاستاذه محتاجة ماركة عشان بنت ام صاحبه خالة جوز عمة أمها بيلبس ماركات و يلعن أبو فلوس اللى طالع عينيه شغل ليل نهار!!.. واذا اعترضت فأنت بخيل، جلدة وقيحة بالقانون النسائى.. الفكرة مش فى الماركات للملابس بس، فيه مطاعم الأكل والأنواع منها اللى تخليك تسف التراب لو أدمنتها، ومع ولولة الدكاترة ان الأكل الكتير من بره ممكن يسبب السرطان لا قدر الله و يزيد الوزن ويقل المناعه، لكن تلاقى اللى شهوته ممشياه وراه !.. الناس اللى بتصدر الماركات للدول العالم التالت المتخلف، مجتمعها مش بيهتم بالماركات أصلا، لكن احنا صدرنا بيحتضن أى خرا من الخارج!!.. من الآخر، كل واحد حر فى اللى يشتريه من أى نوع مادام هو قادر، واللى مش قادر ميحاولش يلهث ورا الماركات لانها هتخرب بيته رسمى.. واحنا على فكرة عندنا ماركات، عندك التخلف، الغباء، الجهل.. والكوارع.

إحنا لو إكتشفنا حجم الحاجات اللى مضحوك علينا فيها، هنلاقى نفسنا بهلوانات لسيرك العالم.

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

الوقت المناسب

الوقت المناسب أهم من الفعل نفسه..
انت ممكن تكون هتعمل قرار أو فعل كويس جدا، لكن تلاقى نتيجته صفر، وممكن تعمل فعل مهبب ويطلع معاك صح.. الفكرة هنا الوقت المناسب  للعمل ده.. زى الكلام برضو، فيه كلام مينفعش يتقال مع انه مش غلط، لكن الوقت غير مناسب، فلو قلته، هيضيع قيمته، وهينقلب عليك.. دوّر على الوقت المناسب اللى تقول كلامك أو تقوم بأفعالك قبل ما تنطق بكلمة أو تعمل أى حاجة.. الوقت الغلط هو الصخرة التى من الممكن أن يتحطم عليها الفعل أو الكلام الصحيح !.. عمرك شفت حاجة صح ممكن تبقى غلط؟ الوقت الغلط كثيراً بيكون الصخرة لكسر الصح ده.. فلو كان الفعل أقوى من الكلام، فالوقت الغلط أقوى من الفعل.

فيه أوقات مش بتبقى عارف تاخد اى قرار، فاﻷحسن ساعتها انك تفضل مكانك ومتخدش قرار وتستنى ظروف تتغير.. زى البحر ما بياخدك لمكان وانت مش حاسس.. الجديد حتى لو كان بسيط، ممكن يقلب الطاولة فى أى موضوع، فمتتسرعش.. قرارك لازم يعتمد على * انك عارف نتيجته *.. مترميش السنارة من غير طُعم تصطاد به.

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

السبت، 12 أبريل 2014

فلسفة مصرى.. !

توجد بعض الأشياء الذى ُألقى عليها الضوء ولم تراها الناس، و أشياء ُألقى عليها الزبالة، فأجتمع حولها الناس !.  فلا تتعجب عندما ترى أحدهم يبيع ضميره مقابل شراء طاعة صاحب القوة والسلطة، حتى ترى فى طاعتهم و عبوديتهم بأن هذا الحاكم فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!.. أتفوقنا جهلاً على زمن الجاهلية؟.. و تسليم عقله لهوى اعلامى يدس الخرا فى العسل، أى عسل؟.. آسف، يدس الخرا فى الوحل.. ألم أقل لك أنهم يتجمعون حول الزبالة؟

أسلوب الحوار وخاصةَ السياسى بين الناس، اذا ما خطرت فكرة اذاعته، فهو بالتأكيد *حصرياً* فى برنامج WWE للمصارعه !. الودنان أصبحوا من طين، حتى غزت عقول أغلبهم، فأحد يغذى *عقول* الناس بثقافته، و آخريين لا يشبعهم غير *البقول* و الفارق حرف واحد !.. فكرة انك تلاقى اتنين بيسمعوا بعض بهدوء وعقلانية حاليا، بقت قائمة على ان أحد الأطراف يكون مع آراء الطرف الآخر ققط، ولماذا لا تكلم نفسك فى المرآه اذاً؟ ما الفارق؟.. فنصيحة، لا تتكلم مع أى أحد الا اذا علمت أنه سيتقبل رأيك باحترام، غير ذلك اقلع الشبشب واجرى وراه .

* على فكرة احنا احسن من غيرنا * .. الجملة التى ضيعت بلاد و زرعت الخوازيق متنوعة الأحجام فى المنطقة العربية.. العراق قالت اننا احسن من فلسطين وليبيا قالت اننا احسن من العراق وسوريا قالت اننا احسن من ليبيا، حتى أصبح الكل على قدم سواء فى التفرقة العنصرية و التقسيم الجغرافى و الانهيار الاقتصادى وسوق لدول العالم الكبرى.. أما المصرى فلا يردد سوى هذه العبارة الأسخف من عبارة * هو قالك فين؟ * معتبرا دولته لندن العرب، مع أن بوركينا فاسو أكثر تقدماً ! .. فاذا قابلت أحد الذين يهتمون بترديد هذه العبارة السخيفة، فأضربه بالقفا و قل له * احمد ربنا، انت احسن من اللى قبليك اللى اديته بالبوانى فى وشه *.

* اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش * .. سيبك من انم مفيش حد منعرفوش فى مصر، لكن المشكلة ان اللى بيقولك كده تلاقيه كفران طوول النهار فى الشغل وبيركب أتوبيس عشان يوفر النص جنيه عشان الطماطم بقت ب3 جنيه مع "يلعن أبو دى بلد أسعارها مش بتهمد" و لابس قميص طالع ميتينه عرق و بنطلون متخيط 10 مرات و معندوش غير 3 أطقم الزمن عمل معاهم الرزيلة، و بيقبض مرتب من المصلحه الحكومية مش بيكفي الشهر، و يرجع يقلع وياكل نفس الاكل، واتهرى زيت من الفول والطعمية لغاية ما هيبقى زى لون سبونج بوب، و يجيله محصل الكهربا و بعدها الميه يشفطوا دمه، و يغير بسرعه ويروح الشغل التانى و بناته فى الشارع يتحرشوا بيهم و مراته متهدلة معاه و عايزين مصاريف لكل حاجة بالشىء الفلانى، و يرجع البيت على الفجر، وينام 4 ساعات ويصحى فى نفس الدايرة !!.. وبعدها ينادى بنفس الرئيس والنظام بعد ما شلنا النظام اللى قبله اللى هو نفس النظام مجرسه ومطلع عينه !!.. دى مفيهاش عقل، دى الشعب " لسع " خلاص !!.. ولكن ربنا يقوى كل واحد كده !..

إن شاء الله خير..

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

وأنت مال أمك !..

وأنت مال أمك.. أقول هذه العبارة لكل من يقحم نفسه فى موضوع لا يخصه.. لكل من يبنى فكرته على بنى آدم لمجرد لبسه *سوى بعض القيود*.. لكل من يقول لى ( انت عايز تخس شوية.. انت عايز تطخن شوية.. اللبس ده وحش.. شعرك.. عن شعرى و أقف لأقول هذه العبارة، أما ما قبل شعرى، فأقول لهم * بس انا مبسوط كده * ).. لكل من يسألنى عن من الذى اتصل بى الآن.. عن الرجل بداخل الميترو أو الميكروباص الذى يدلدل رأسة كالزرافة معى فى التاب و يقول لى * الصورة دى جامدة فشخ يا برنس *.. لكل من ينصحنى بشىء وهو عنده نفس العيب وأكثر تشدداً.. الذى يحاول فرض رأيه علىَ.. الذى يضع منخاره وأنفه فى كل شىء.. عن الذى يسالنى عن الهدية المغلفة وما فيها.. عن الكيس الذى يحمل عشائاً لى ولأسرتى ويود معرفه ما بداخله.. عن الذى ينظر ل*يمحلس*، دون كلام.. لكل من يسألنى، انت بتكره السيسى ليه؟.. و أخيراً لأبنى العزيز الذى اذا سألنى * ايه اللى حصل يا بابا فى الثورة بتاعتكوا؟ واتعمل فيكوا ايه؟ * فلا رد سوى، و انت مال أمك !؟.

أنصح وبشدة أعضاء لجنة وضع الدستور المصرى بوضح مادة تفيد ب : " وانت مالك أمك " لقولها لكل من يقحم نفسه فى أشياء لا دخل لأمه فعلا فيها سواء لب لها الشتيمة.

ملحوظة : مش كل اللى حوليك تقولهم كده، اللى مش من حقهم بس..

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

خليك فى خصوصياتك..

ليه تبقى كتاب مفتوح لأى حد؟.. ليه أى حد يعرف عنك كل حاجة؟.. حتى أمك و اخواتك و مراتك؟.. ليه مش بتتمتع بلذه الخصوصية؟.. تحس انك حر فأى حاجة بتعملها، حتى اللى بتعمله من خلال أمر، بيكون *بمزاجك*.. لكن مزاجك ميتحكمش فى عقلك، مزاك يكون تحت وطأه عقلك.. محدش يبقى متوقع رد فعلك فى بعض الأشياء، رد فعلك أو فعلك نفسه.. هيجيلك وقت تحس فيه انك ُمكبَل لأن كل حاجة بتعملها هى متوقعه، فهتبقى انت واللى حوليك زى العيل الصغير اللى بيحط ايديه على عينيه ويلعب استغماية مع ابوه وأمه ويمثلوا أنهم متفاجئين و انهم مكنوش يعرفوا مكانه، عشان بس يفرحوه !.. أيوة هتكون كده، لو محتفظتش لنفسك ببعض الخصوصية.. انت بس اللى تقرر امتى تتكلم وامتى لا، امتى *عايز* تتكلم وامتى لا.. خلى الناس تعرف عنك الحاجات اللى * انت عايز تخليهم يعرفوها * و بس !.. أكيد مش كلها، وأكيد مش كل حاجة تبقى معروفة، متخليش حد يعرف آخرك إيه، وإزاى، لو عرف هيعرف يجيبك، لو مش واثق من نفسك، على الأقل متبينش ده للناس، ومش لازم تمثل، متخليش اللى قدامك يحاول يحفر وراك، خليك واضح فى الحاجات العامه، الحاجات اللى بالنسبة ليك عادى إنها تتعرف، واعمل حساب درجة قرب اللى بتكلمه.. يعنى مش أى حد تكلمه، اللى انت واثق فيه بس هو اللى تكلمه فى شىء من الخصوصية، و درجة الخصوصية متعددة.. فيه الخصوصية اللى محدش يعرفها غير نفسك، وفيه اللى تعرفها أمك وأبوك ومراتك، وفيه اللى يعرفه أخواتك وفيه اللى يعرفه أصحابك.. خصوصيتك حاجة استثنائية، عشان كده متكلمش غير الإستثنائيين اللى فى حياتك.. هتلقيها حاجة ممتعة إنك مش مفهوم أوى ولا غامض أوى للى قدامك، ماسك زمام الأمور، بعقلك تقدر تخليه يعرف الحاجة دى أو تفكيرك فيها ايه، وبإيدك متخلهوش يعرف.. و مرة تانية وعاشرة : " خلى الناس تعرف عنك الحاجات اللى عايز تخليهم يعرفوها، وبس " .

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

الأربعاء، 19 مارس 2014

صداقة..

لم أفهم قط أن الصداقة لها أخلاق!.. فأنا أعتبرها دائما سلسلة مصالح، ما الذى يدعونى للتشبث بشخص لا رجاء منه ولا فائدة؟ ما الفائدة من بقرة جافه؟.. كانت صداقاتى مُعوَجة فى بادىء حياتى، الطفولة وحب اللعب والمُصاحبة، و تكوين شلَة المنحرفين الصغار، كنت أحب أصدقائى الصغار، أذهب للمدرسة لأصدقائى لا للتعليم، كم كنت أكره التعليم والأستاذ سيد صاحب الكرش الدائرى الغير مفهوم بالمره. فكانت حصته وسيلة للسخرية منه ومحاولة كتمان الضحك قبل أن ينفجر بينى وبين أصدقائى، كانت شلتنا تتميز أنها تفعل القليل، فتكسب الكثير. نُذاكر فى آخر الأيام ونبقى من الأوائل، من أضعف فرق كرة القدم فى المدرسة فى الصف الإبتدائى، ولكن لا يفوت علينا كأس إلا وكسبناه، فاليد الواحده من الضعف، بخمسة أيادى منفردة من القوة. كنت أعلم أن لا أحد يُحبنا سوى غيرنا، مننا فينا، وهذا التملل الذى نراه من الآخريين ليست سوى مصالح، فهم يعلمون أنهم إذا أنضموا لشلتنا، فسيشتهروا على شهرتنا وفى حماية قوتنا، ولسنا كزهره تخرج رحيقها لحشرة يا عزيزى، بل نأكلها. كنا نستخدمهم فقط ، ولكن لم يفلح أحد فى الوصول لهذا المنصب، حتى عندما تكوَنت شلة أخرى من الكارهين لنا، لم يستطعوا الحد منا، وكيف السبيل إذا لم تكونوا يد واحده؟. كنا نفعل كل شىء مع بعضنا، الأكل، الشرب، اللعب، التسخيف، الضرب، المذاكرة، الدروس، لم ينقصنا سوى أن نكون جيران فى نفس العماره.

وصلنا لثمانى سنوات من اول المرحلة الإبتدائية، ونحن كتف بكتف ويد بيد، إذا شاهدنا أحدهم، فلن يلقى بفارق كبير وبين مدرسة المشاغبين، سوى التفوق، لم يكن غرضنا من التفوق أن *نصبح* الأفضل على الكل، بل أن *يصبح* كل واحد مننا أفضل من الثانى، كنا ننافس بعضنا البعض، ولا نشهر بذلك، كما تكون هى ميزة لنا، فهى ضعف إذا أُستغلت فى الخطأ، ونحن قد سمعنا المثل الذ يقول : " لو وقعت البقرة، كترت سكاكينها". مرَت المرحلة الإعدادية على نفس منوال المرحلة الإبتدائية، غير أننا أدركنا أنه يوجد شىء آخر يدعى البنات.

أول معرفتنا عن المرأه -بغض النظر عن الأم والأقارب- كانت فى حصه الأستاذ عطيه فى بداية المرحلة الثانوية على أن جنس المرأه مختلف عن جنس الرجل . صادقت العديد منهم، كنت أحب الحديث معهن أكثر من أصدقائى، ولكن للتسلية وليس أكثر. ولكن وكما قال الله عز وجل حقاً وصدقاً : " إن كيدهن عظيم " . بدأت الطاولة التى وضعنا أرجلنا عليها، بالإنقلاب، بمساعده هؤلاء الفتيات، بدأت كل واحده منهن بوسواس يضرب الحديد وهو ساخن على نفوخ كل واحد فينا، و تضع فى نفسه أنه الأفضل وأن الباقى لا يستحقون أمثالك و أنه يغير منك علىَ و أنه تحدث معى قبل ذلك على الخروج معه وأنه يكرهك، إلخ إلخ إلخ.. تعلم جيداً أن القوة لها قوة مضادة مساوية لها فى المقدار، فنفس حماسة صداقتنا، تحولت لألد أعداء بفضل هؤلاء الفتيات.

أعشق هذه الأمخاخ التى تُفكر، بل تتهندس فى الشر، عمق غريب فى هذه الأمور، فالحيلة والخداع فى النفس، كالتصويب الدقيق على تفاحه معلقة فى شجرة بالسهام، أعشق الذكاء واللعبة الحلوة وإن كانت فى الشر. لم نتجمع بعدها إلا ودار عراك لفظى وجسدى بيننا، وقررنا ألا نقترب من بعضنا بدئاً من الآن، فغنى للشر و علمه لى وحياه والدك.

أحب وأحترم من يعمل الشر ويتقنه، أما الأغبياء هم الذين يعملون الشر دون ترتيب مسبق لخريطة جيده، فالشر من الممكن أن يُرغم الخير على أن يُطاطى له، ولكن أن يحترس من إنقلاب الطاولة. هذا الإحتراس لابد أن تهتم به أكثر من عمل الشر نفسه، فالدفاع خير وسيلة للهجوم، ولا تُقبل على الشر إلا إذا كنت مضطرا، فلو أصبح سهلاً، قتلتك سهلاً. فهو كاللعب بالنار، اذا لم تحترس منها، أحرقتك. التحكم فى القوى شىء عظيم، ومعرفه متى تستخدمها شىء أروع..

أصدقاء الجامعه لم أر فيهم شىء، مجموعة من الفراخ يبيضون فى مزرعة الدواجن التى نتعلم فيها، كانت حدود صدقاتى معهم لا تخرج عن حدود سور الجامعه، فأنا ضيق الصدر مع ثقيلى الدم، وإن حاول أحدهم التخفيف، يبيض أكثر. أما الفتيات فكان صدرى لا يتسع إلا لغيرهم. فى تعاملاتى معهم أكن لمن يدَعون أنهم أصدقائى كل الإحترام على تمثيلهم المحدود، أعلم أسباب صداقتهم لى وألاعبهم لها، كالذى يصادقنى كى أساعده على مكالمه صديقة لى أعجبته، و الذى يحتاج مساعدتى عن دكتور حازم لقرابته منى، و الذى يحتاج لصديق له شخصية قوية تسانده فى الجامعه، والذى يتملل كى أساعده فى المذاكرة، والذى يريد المُلخصات التى أفرزها من الكتاب، لماذا يعتقدون أنى نجيب محفوظ؟. لماذا كل هذا التملل والملحسه؟ يقولون أنه واجب الأصدقاء على بعضهم، فلماذا لا يفعل أحد شىء إلا إذا كان بمقابل؟ لابد أن تكون صادقاً مع نفسك، حتى تكون صديقاً، ولكن الآيه هنا العكس، فهم يدَعون أنهم أصدقاء دون أن يكونوا صادقين. الصداقة هى أن تفعل ما عليك قبل أن تطلب مقابل.

لم أهتم بهم مُتحججاً بأسباب خاصه، فمن السعاده أن تعيش و رأسك ليس فيها شىء سوى نفسك، نفسك وفقط، لن أعيش فى هذه الحياه لخدمه ناس أخرى، ستساعدنى نفسى فقط، لا أحد يحب مصلحتى سوى نفسى، هى الحصان الرابح فى نهاية الأمر أو الخاسر، فعلام أحتاج لأصدقاء؟ أسيكونوا الضهر والسند؟ من الممكن أن أساعد شخص ولا يكون صديقى، فعامل الدليفرى الذى أعشقه، لم يكن يوما صديقاً لى. لماذا لا تكون معاملات سطحية دون صداقة؟ وان سألتنى العكس، فسأتقبل غباءك وأقول لك الذى قلته مرة أخرى، صداقة دون مقابل هى الصداقة الحقيقية، ولكن لابد أن تبحث عن مثل هذه الصداقات فى الغابات الإستوائيه. وإذا سألتنى عن ما الداعى إذا كانت الصداقة خدمة بخدمة وغيرها؟ أعتقد أن حب النفس أقوى على الإنسان.

أُقلب آخر صفحات الكتاب..
 لم ألق بصداقة حقيقية إلا بين الحيوانات، فالكلب لن يطلب منى رطلاً من اللحم جرَاء ما أفترفته فى حقه من المشىء فى شوارع القاهره ضهراً، ولا القطه التى ستطلب منى خزان من اللبن ثمن حبسى لها فى الغرفه، لم أعترف إلا بغيرهم كوسيلة للصداقة، دون وجعاً للجمجمة أو صب المزيد من إضاعه الوقت على أشخاص لم تلدهم أمى ولم يكونوا فى عائلتى، و علاج مرضاهم السخيفة التى تحمل الكثير من الحقد والكراهيه والمصلحه، ثلاثى يعصفون ببرج إنارة مستقبلى، ولكن قد فهمت اللعبه فى بدايتها.

المجد للشهداء
العبد الفقير الى الله

الخميس، 13 مارس 2014

من أحببت؟

 وميضٌ من نور يظهر ويختفى عند عقب باب ضخم مُزخرف ببعض الكلمات و الوجوه الدقيقة، تفوق عبقرية دافنشى، ويزداد الوميض كلما أقتربت من الباب الضخم، ويختفى الباب تدريجياً مع حركتى، كأنه يُخفى ورائه عالم يُجرى تجارب كيميائية، تَشُع تفاعلاته نوراً عظيماً. وها قد أختفى ، النور يغطى كلياً بصرى، أضع يدى اليمنى على عينيَ وأقف ساكناً بعدما تخطيت حدود باب قد أختفى، أو أن هذه وسيلة الدخول، لا أفقه شىء حتى الآن. يظهر الباب مُجدداً بعدما تخطيته، ينغلق مُحدثاً صوتاً عنيف خلفى، رجعت فى فزع وأنا أضرب الباب، محاولاً فتحه، وفى هذه  اللحظة بَسُط الوميض عن بصرى وتركنى وشأنى، ثم إستدرت لأرى بعض من الخيال.

  مكتبة متعددة الرفوف، تحتوى على العديد من الكتب، منها التى غطَاها التراب، والتى فُتحت كثيراً، والتى لم تُمس، و كتاب واحد فقط مكتوب عليه بخط عريض : " ليس للإطلاع ". المكتبة بداخل غرفه تملئها عدد لا نهائى من الصور، قرن من الزمن لا يكفى لتصوير كل هذه الصور!. الكتب مُرتبة بنظام، الصور مبعثرة فى الغرفه، ولا أشعر برائحه معينه، كأنه لا يوجد هواء من الأصل. أتحرك تجاه أحد الكتب، فأسحبه من رفه، أبعد التراب الذى عصف بغطائه بيدىَ، فأقرأ إسمه، كتاب الحب، فأبدأ بقراءة صفحاته بدون ترتيب.

فتيات، مراهقة، نساء، شجن، حب، أحضان، قُبلات، كلام، دموع، فرح، سعاده، ضحك، إبتسامات، شعر، أغانى، رومانسية، بحر، خلاف، همسات، وجع، عتاب، مُصالحه، عيون، وعود، مشاعر، سؤال، إهتمام، غيره، مداعبة، جنان، جرح، فقد، موت.

من التى أحببتها؟.. من أين؟.. ومتى؟.. وما إسمها؟.. هل عشت طويلاً معها؟.. هل كنت أحبها بالفعل؟؟.. أعشقها؟.. هل كان لديها أم يصقف لها الجرذ على صفاقة حديثها وأفعالها؟.. ما لون شعرها؟.. ما شكل جسمها؟.. هل كانت تحبنى؟.. لماذا لا أعلم عنها شىء؟

كلمات هى عناوين للكتاب و تفاصيله التى كتبها القلب، كلمات تغرس فى صميم قلبى وقلب من؟؟.. لا أعلم من التى حببتها أكثر ! وهل احببتهم جميعاً؟!.. أنا لا أؤمن بهذا على الإطلاق، فالحب كالفرصة، لا تأتى غير مرة واحده.. فتيات المراهقة نوع من إشباع الذات لا 
أكثر، كنت أريد الإنطلاق بعمرى، فسلكت الطريق الأسهل عبر الفتيات، لم أرتكب أى حماقة معهم، غير السلام على بعضهم باليد، كنت أبله بعض الشىء، وأعتقد أن مثل هذه الأمور حماقة، بعدما علمت أن أحد أصدقائى تهور و سلَم على صديقته بيده كلها، وأنا أعتبر السلام بطرف الأصابع هو العيب بذاته !. صادقت وأحببت -بمعنى المراهقة- ولم أوعد أحد قط بأى شىء، كانوا كالشياطين يجروَن الناعم والطيب وما لذ بمهارة يحسدون عليها، بعدما أوقعوا بجميع أصدقائى البلهاء، ولكن "صياعتى" أنقذتنى، فالشر بالشر هو الخير نفسه يا عزيزى. تفرقنا جميعاً فى مختلف الكليات والجامعات، وإنتهى ما لم يبدأ فى علاقاتنا.

بدأت دراستى فى الكلية دون إهتمام بمختلف البنات والحب، كنت أود التفوق والسفر لباريس، فحوارىَ عينى هناك بالفعل. تلمست بعض العلاقات السطحية مع مختلف البنات والشباب أولا، وكنت أثقل نفسى بما فيه الكفاية لتتركنى الكثير من الفتيات، يا لغبائى!. قررت أن أوسع آفاق قلبى ونفسى لمثل هذه العلاقات، فلا مانع من الحديث مع بعضهم والذهاب لبعض الكافيهات والمذاكرة، والسفر فى رحلات تابعة للجامعة، ما المانع؟. فى سنين الجامعة أصبح عندى صديقات، أخوات، حبيبات.. الصديقات هن التابعات لأصدقائى وأحسد أصدقائى على بعضهن، و أخواتى من يحملون أجساماً بدينة، و حبيباتى هن الذين ،، لا أعلم !.. لم أشعر بهم فى قلبى، أشعر بهم فقط عندما أختلث نظرى على أحدهن وهى تصلح جزمتها وتكشف الكثير من ثديها، أو تساعدنى فى المذاكرة، هنا فقط أشعر بهم!.. فقط هن للتسلية وإرضاء طبيعة الحياه بالعلاقات بين الجنسين. لم ألمس أو أوعد أحدهن قط، فقط كانت كلمة "بحبك" التى أصبحت مملة من كثرة تكرراها راضية بما فيه الكفاية عندهن، هو الهبل بشحمه ولحمه !.

من التى أحببتها؟.. من أين؟.. ومتى؟.. وما إسمها؟.. هل عشت طويلاً معها؟.. هل كنت أحبها بالفعل؟؟.. أعشقها؟.. هل كان لديها أم  يصقف لها الجرذ على صفاقة حديثها وأفعالها؟.. ما لون شعرها؟.. ما شكل جسمها؟.. هل كانت تحبنى؟.. لماذا لا أعلم عنها شىء. 

تخرجت أخيرا، وبتفوق، و إنتهى التعليم كما إنتهت علاقاتى مع الفتيات الذين أحببتهم، أما الصديقات والأخوات ما يزالوا على قوائم هاتفى، نتحدث من آن لآخر، كنت أحبهم من قلبى بالفعل كالأخوات و الأصدقاء، أرتاح فى الحديث معهم كثيراً، فعيد الصداقة و الأخوة أولى من عيد الحب، فالصداقة تستمر، عكس الحب. كنت أجد نفسى معهم بالفعل، أتحدث بشخصيتى، لا أضع اقنعتى على لسانى كما أفعل مع من تحبهم نفسى.. كم تمنيت الخير لهم جميعاً بالفعل، ولكن ليس مع أصدقائى.

زميلات العمل، وما كثر حُبى لهن، فمع زيادة عدَاد العُمر، يزداد العقل نضجاً فيهن، و المؤخرات إثارة. علاقتى بهن ليست لها قواعد سوى القواعد التى يضعها أستاذ محسن رئيسنا فى الشركة. الإلتزام، العمل، التركيز، المواعيد، الإنضباط، الجهد، وكيف تكون جرواً مطيعاً لسيده. فى العمل، أداعب زميلاتى بالضحك والكلام، مع سرقة نظرات قد تطول على أجسادهن، كان بعضهن يعشقون ذلك، يتحمسون لأنوثتهم، والبعض الآخر لابد أن قادمين من عهد سعد زغلول، لا كلام ولا ضحك ولا صداقة الا بحدود ضيقة الأفق، نحن فى القرن الحادى والعشرين أختاه!. كانوا مصدر دعمى فى العمل، فما الذى يدعونى للمجىء مع هذا الأستاذ مُحسن إلا بهتك عرض وجهه من الضرب؟. كانت الأيام ومن أحببتهن وجهان لعمله الملل، كنت أحب أحدهن، لكن لم أشعر بها أيضاً، الشىء السهل فاقد لأهلية الإحترام. وعندى الإحترام له عنوان فى نفس من سأحب، وليس فى نفسى.

بعد إنتهاء إحدى الندوات الثقافية التى أعشقها، شدَ إنتباهى حديث جانبى من جانب فتاة مع أصدقائها حول موضوع الخير والشر فى النفس، فتتكلم على أن الخير ينبعث من قلب فاطر بالإيمان و عقل يضع الحدود لهذه القوة، فكل شىء يجب تحديده وتحجيمه، والا ينقلب على صاحبه، حتى الأدوية اذا ما أخذت منها الكثير، ضعفت مناعتك، واذا منعتها أو قللتها وقت الحاجة، غلب عليك المرض أكثر. ثم استطردت كلامها مع باقى أصدقائها فى ضحك ونقاش، وعندما إنصرفت هى بعيده عنهم، إتجهت لها، لا أعرف كيف أبدأ حديثى، ولم أعرف أبداً كيفية بدء الكلام، لكن شعور قوى يجتاح بؤر عقلى وقلبى يدعونى لخوض هذه المحاولة.

إستوقفتها كمعجب بكلامها و تأسفت لها على سماعى لحديثها دون إدراكها، و شكرتنى فى بادىء الأمر فى أدب و زوق، ثم إستسمحت لها فى سؤال، فقبلت فى إبتسامة، أعتقد أن وجهى أحمر منها..

_ما الذى يدعو الإنسان لإرتكاب الشر وهو يعلم أن الخير هو الطريق الأصح والأفيد والذى فى صالحه؟

_هى النفس.. النفس التى تقف فى زور كل خير، فهى أهل للشيطان، وعند ارتكاب الانسان للشر فهو بالتأكيد يعلم أنه مُخطىء، لكن نفسه تضع المسكنات لضميره قد تغشى عينه عن الخير والحقيقة الغائبة. يعتمد الشر على ضعف قوى النفس، و ضعف النفس يأتى من الإبتعاد عن الله، والإبتعاد عن الله لا ينطوى إلا بالصلاه وذكر الله دائماً والإحسان للوالدين.. عقلك لن يساعدك على تخطى حاجز النفس بينك وبين الله، لأن العلاقة بينك وبين الله هى روحيه و ليست عقلية، فهى فوق حدود العقل.

أقف مبتسماً لحديث رائع من إمرأه أروع، ثم أقول لها مع إبتسامة عريضة : كلامك رائع يا .. ما إسمك؟

تبتسم إبتسامة تنم على أنها قابلت مثل هذا كثيرا، ثم تقول : إسمى ليلى

_أعشق هذا الإسم، و أحُييى الوالد عليه، ضحكت ثم شكرتنى ثم سألتنى

_هل لديك فكرة عن سبب زرع الله الخير والشر فى الإنسان وعلاقته بالنظام العام فى الكون والحياه؟

_فاجئنى أنها تريد إستكمال الحديث أكثر من السؤال نفسه، فأهتز قلبى فرحاً أنى سأستمر مع هذا الملاك، فقلت : سبب الخير و الشر فى الإنسان كالنفس و العقل، الإثنان عدوان لبعضهما، ميزان القلب أو الإيمان هو القاضى بينهما، خُلق الإنسان بهذه الطبيعه و سيستمر بين صراع النفس والضمير حتى الموت، هذه معركة لا يوجد فيها غالب و مغلوب، لأنها غريزة كوننا بشر، نخطأ ونصيب.

_أعجبنى كلامك وتفسيرك، و لكن ماذا عن علاقتهما بالنظام العام والكون أو الحياه؟ قالتها و هى تبتسم أكثر و عيناها فيها الإهتمام، ولكن ليس كمثل سعادتى أبداً

_شكرتها جزيل الشكر ثم إستكملت قائلاً: فى قيمة الإنسان الذى أوجده الله لا ليفعل الشر، بل ليُقبل على الخير مُختاراً. ولكى يختار وفُر الله له القوى الضرورية لذلك، مع وضع حدَ لها حتى لا يُخل بالإفراط فى الحرية بتوازن النظام العام و الحياه. الشر الذى يُحدثه الإنسان يعود عليه بالضرر، وليس على النظام العام.

_رائع جداً، والذى يتذمر على أن الله لم يساعده فى محاربة الشر؟

_الذى يتذمر على هذه، هو بالفعل يعترض فى الواقع على أن الله حاباه بطبيعه رائعه وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق الشريفة الكريمة فى نفس وفعل الإنسان، إذ بها ندبه للتحلى بالفضيلة. أية سعاده أكبر من الشعور بالرضى على النفس؟ وحتى يتركنا الله مُخيَريين، وليس مُسيَريين كما يدعى البعض، وضعنا الله أحراراً لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا و وهبنا الضمير لنقاومها. أيوجد ما فوق ذلك؟.. أكان وارداًً أن تضع الصراع والتناقض فى قلب طبيعتنا وتجازى على الخير من لا يقوى على الشر؟!.. تخاريف عقلية لا أساس لها من المنطق، فحتى لا يكون الإنسان شريراً أكان على البارى أن يسجنه فى حدود الغريزة ويجعل منه حيواناً فى قفص؟ حاشاك ربىَ وأحمدك كثيراً

تورَدت وجنتيها كأجمل زهرة أراها فى حياتى، والإبتسامة الواسعه و الإهتمام بالمزيد من الكلام و الكلام الذى زادنى فرحاً و طيباً وسعاده وجمالاً عندما شكرتنى و تمنيت أن تلقانى مرة أخرى وأنها تأتى فى هذا المكان كل يوم الساعه الثامنه بعد صلاه العشاء ، و ودعتها بأنى تشرفت بحديثها والكلام والمناقشة معها مع التمنى أن أراها من جديد ، ثم إستأذنت للإنصراف، و سلَمت علىَ بيدها الناعمة التى أحرقت قلبى بنفح من حب، نعم، هو الحب ذاته.

فتيات، مراهقة، نساء، شجن، حب، أحضان، قُبلات، كلام، دموع، فرح، سعاده، ضحك، إبتسامات، شعر، أغانى، رومانسية، بحر، خلاف، همسات، وجع، عتاب، مُصالحه، عيون، وعود، مشاعر، سؤال، إهتمام، غيره، مداعبة، جنان، جرح، فقد، موت. 

كل يوم أهيأ نفسى لأجمل ميعاد فى حياتى ، كنا نحضر الجلسة الثقافية، هى مع أصدقائها، ثم أتفقنا على أن نحضر فى معاد آخر وحدنا، نتناقش بعدها فيما ورد فى الجلسة الثقافية، تتطلب هى دائما عصير الجوافة التى تحبه، و أطلب البرتقال، كان شعرها كالحرير، تعتنى به جيداً، وعينيها التى أرى فيهم القمر فى سفح الفضاء، تحمل الجسد الذى ندعوه عندنا ب" المقلوظ" هذا الجسد الفاتن الرشيق والرياضى.. تعرفنا على بعضنا كثيراً، كنت أشاهد فى عينها الحب كما تراه فى عينى، فالعين فضَاحه أكثر من زلة اللسان. لكن لم نعترف لبعضنا الا بعد سنتين من قصة عشق بيننا.. لم نتحكم فى أنفسنا حتى أحتضنا بعضنا البعض و قبلنا قبلة واحده و لم ننم طيلة ثلاثة أيام من أدرينالين الحب الذى كان ينتظر إعتراف قلوبنا بلهفة وجنون. كان البحر هو صديقنا مع الكتاب و الأغانى التى نسمعها و ندندها مع بعضنا البعض فى ضحك وسعاده، لم يخطأ مفهوم التفاهم بيننا أبداً، لم نتعرض لإختلاف رأى إلا وتناقشنا فيه بهدوء، كنا نفعل كل شىء مع بعضنا، كتبنا الشعر و المقالات و الرسائل عبر الورق لا الموبيل أو الإنترنت، كانت تقرأ ما كتبته لى لأن خطها لا يمكن قراءته الا فى يوم كامل، أعتقد أنها شفرات و رموز وليست كلمات يا ليلى؟. كنا كمثل بعضنا نعشق الزمن القديم، الزمن الذى يعرف معنى الحب لا الدلع و التفاهه. كنا كأبطال رواية حب لن يقدر شكسبير وماركيز عن وصف هذه المشاعر بيننا، لن يقرأ ما بيننا أو يضع سطوره، إلا نحن الأثنين. فالقلوب لاتخرج كل ما فى جعبتها، وكفى الإحساس الذى يربط قلبينا. 

فى أواخر صفحات الكتاب... 

كنت قد أرسلت منذ فترة لشركة عالمية، طلب للعمل عندهم، و لم يتم الإستجابة، وها هم قد إستجابوا بعد مذاكرة بعض الكورسات المختلفة، و يريدونى أن أعمل فى فرنسا، باريس التى طالما حلمت بها منذ الصغر، ولكن.. 

إتصلت سريعاً بليلى لأسعدها معى بهذا الخبر، وأن أخيراً سأرتب أحوالى جيداً لنتزوج كما وعدتها و وعدتنى.. إنطفأت سعادتى كما تُطفأ السيجارة تحت قدم صاحبها.. لم ألق منها إلا الرفض وأنها تُخيَرنى بينها و بين العمل فى الخارج، هى لا تقدر أن تترك بلدها ولا أن تترك أمها وأخواتها. ولكن ماذا عنى؟ ما الذى أفعله؟ أمن الممكن أن يقف الحلم أمام الحب؟ أيقف قلبى أمام روحى؟.. ماذا عن الوعد؟ ماذا عن العشق والحب؟ ماذا عن عملى؟ ماذا عن حلمى؟ ماذا عن مستقبلى؟.. لن أجد عمل مثل هذا فى هذه البلد الحمقاء بأهاليها، لماذا الأنانية أقوى من الصبر؟ أم الصبر أضعف من الأنانية؟ ألم نتكلم فى بادىء الأمر عن الخير والشر فى النفس؟ ماذا عن كل هذا يا ليلى؟ .. ينفجر بكائها فى أذنى وتطلب منى العفو والسماح و ألا أتركها وأسافر، وتقول نفس كلامى عنى، ماذا عن وعدى؟ ماذا عن حبى وعشقى لها؟ أأنانى أنا؟ تقدر على أن تجد العمل هنا فى بلدك، لماذا هذا العمل بالذات؟ ولماذا البهدلة فى الخارج؟.. صراع ما بين روحى و عقلى و قلبى، جفت منه معدتى، و الأسود الذى يغطى أسفل عينى، والعصبية التى ترجرج جسدى، والكافيين الذى أغتصبته من النسكافيه و القهوة فى أسبوعين، و ليلى تتصل بى ولا نجد كلاماً مع بعضنا سوى البكاء المعتاد منها و التوسل بالا أتركها، و أنا الذى أخفف عنها و لا أستطيع إبداء أى قرار، ليس كأى قرار، فهو الخيار ما بين روحى و قلبى و عقلى ومستقبلى، كأنى أختار بأى موت أسهل بالنسبة لى!.. بين الموت شنقاً فى الخارج، أو الموت غرقاً فى حلمى معها.. هذه أنانية، لابد أن تنتظرنى حتى آخر الدهر، أنا لم أخطىء فى شىء، وحلمى سيتبخر ان لم أقبل العمل، أما حياتنا فلا تتوقف على شخص، سأنساها، نعم سأنساكى يا ليلى، يا قدرى الذى نحته فى صخرة قلبى، كم تمنيت أن تسكمل حياتنا سوياًُ، لا أتخيل حتى هذه اللحظى أنى سأسافر بعيداً عنك، حتى لن نتكلم بعدها!.. يا لهذه النار التى تحرق قلبى ! .. ألن تكف دموعى عن نسيانك؟ سأنساكى أنا، لكن هل تكف ذكرياتى على الطرق فى قلبى؟ ألن أكف عن عشقك؟ لا أعتقد، فقد حفرتى إسمك و ذكرياتك فى عقلى وقلبى وروحى، لن أجد مفر من هذا مهما حاولت، أرجوكى سامحينى يا ليلى، فهو الحلم والمستقبل الذى لن أتركه أبداً، هو سيتركنى للأبد، لكن كان عليك أن تنتظرينى، كان واجب عليك بحق الله و الحب أن تنتظرينى، إنى آسف يا ليلى قلبى، أعلم أن الأسف لن يمح من الألم شىء، لكن هى لعبة القدر، لعبة لا نعلم خفاياها غير الله، و ليس إلا الله هو مُعيننا على هذه الفاجعة التى حطَت على قلبى وقلبك، سأختار حلمى يا ليلى و سأختارك حور عينى فى الجنة. 

إتجهت لكتابة سطور موافقتى على السفر و العمل..

سافرت، عملت، ذاكرت، إجتهدت، اعتليت المناصب العليا، وأحببت.. أحببت، ليس كحب من أحبب قبلها، فكل واحده كانت لها طعم مُختلف ( إلا أنتى يا ليلى) و من أحببتها فى فرنسا كانت لجمالها الذى لا تقو عين عن معالاة جفنها، ولكن دون إحساس، بلاده فى الحب، تُحرك طفولتى معها، ولكن الرجل الشرقى يضربنى جيداً، كغريزة ولدنا بها نحن العرب. أم أن غرام ليلى مازال الفائز فى ملعب حُبى؟ أظن ذلك.

من التى أحببتها؟.. من أين؟.. ومتى؟.. وما إسمها؟.. هل عشت طويلاً معها؟.. هل كنت أحبها بالفعل؟؟.. أعشقها؟.. هل كان لديها أم يصقف لها الجرذ على صفاقة حديثها وأفعالها؟.. ما لون شعرها؟.. ما شكل جسمها؟.. هل كانت تحبنى؟.. لماذا لا أعلم عنها شىء.

أغلقت صفحات وسطور كتاب الحب... 

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله

الجمعة، 7 مارس 2014

نفسى نفسى !

الأصوات الصاخبة تكسر حاجز الصمت، كلام، صريخ، استغاثة، نداء، قرآن، إنجيل، توراه، بكاء، تنهيد..
 العواصف بطول برج إيفيل تبحث عن طعامها..
السماء تتلون و تصرخ فى الوجوه، الأرض تنشق و تخرج ما فى باطنها..
الأجهزة مُعطَلة..
الموت يشمشم وراء بناطيل الجميع..
 الأمطار و السيول تغرق اليابس..
البرق يكسر حاجز الظلام، ولا تعرف ما إذا كان ليل من نهار؟ فالشمس ساطعه و الجو داكن بالظلام!..
ما الذى يحدث؟!.

أقف فى منتصف الشارع دون حراك من هول ما هو خيال تقرأه عيني وغير مقبول لعقلى..
قلبى يهتز مرتجفاً، نبضى يزداد مع كثرة الأصوات والحركة والدمار..
أين أمى؟ أين أخى؟ ما الذى يحدث عند أصدقائى و عائلتى؟..
أشعر وكأننى كما ولدتنى أمى، فمن كانوا حولى هم من يكسونى فى هذه الحياه، أين هم بحق الله؟.

 يضرب خوفى الذى يربض على كتفى أصوات تنادى وتقول : * إنها يوم القيامة، فليقل كل منكم الشهاده و يدعو بالرحمه و المغفرة و الله أكبر الله أكبر الله أكبر * وكأن هذا الصوت هو السيف الذى قطع رباط خوفى..
بعدما أستيقظت من غفلتى، أخذت أنظر من حولى، الناس تطلب المغفرة والسماح من الذين أخطئوا فى حقهم، و هناك الرجل الذى يسجد على قدم آخر كى يُقبلها جزاء من أقترفه فى حقه..
وأخرى تكاد الدموع تسقيها أمام أمها التى هجرتها و أدخلتها ملجأ لكبار السن..
و آخر يبحث عن الماء كى يتوضأ و يصلى أول صلاه منذ سنين..
و آخر يبحث عن من يتصدق له و زكاته التى أغفلها..
و شباب يبحثون عن أبيهم الذى تركوه للزمن يرعاه..
و آخر يقرأ الإنجيل، و آخر يقرأ التوراه، و آخر يعتنق الإسلام، و أُناس لحق بهم شبح الموت

الأصوات الصاخبة تكسر حاجز الصمت، كلام، صريخ، إستغاثة، نداء، قرآن، إنجيل، توراه، بكاء، تنهيد..
العواصف بطول برج إيفيل تبحث عن طعامها.. السماء تتلون وتصرخ فى الوجوه، والأرض تنشق وتخرج ما فى باطنها..
الأجهزة مُعطَلة..
الموت يشمشم وراء بناطيل الجميع..
الأمطار والسيول تغرق اليابس..
البرق يكسر حاجز الظلام، ولا تعرف ما إذا كان ليل أم نهار؟ فالشمس ساطعه والجو داكن بالظلام..
ما الذى يحدث!؟

 أخذت طريقى بحثاً عن أمى، كيف أموت من غيرها؟ و عن أخوتى؟ وأصدقائى؟ و عائلتى؟ ليست هذه نهايتنا، فلم نفارق بعضنا فى الدنيا، أنفارقها عند الموت؟ ليس هذا عدلاً فى قانون الموت!..
أركض بحثاً عن ماء أتوضأ ولكن قد فات الأوان للحياه، كالصحراء الجرداء هى لا زرع فيها ولا خير..
لا أعلم إلى أين يأخذنى هذا الطريق؟
فالكل يلجأ الى آخر كى يعطيه حسنة واحده، سماح من آخر، عفو، طلب، سؤال عن أشخاص، نوبات البكاء التى تُعطلنا عن الركض وسط هذه المعمعه الترابية..
القلب يركض أسرع من قدمينا..
أرجُلنا بدأ الخوف يشد على أجزائها..
القلب يركض أسرع وأسرع..
العقل ُمشتت و لا شىء قابل للتفسير، جهاز تم فصل كهربته..
القلب يركض أسرع و أسرع وأسرع..
اليد قد لمسها الارتجاف، لا تتوقف أبداً و لا أستطيع حراكها..
لا أستطيع التحكم فى أى جزء من جسمى، الخوف بدأ يغلب روحى..
القلب يركض أسرع و أسرع وأسرع وأسرع وأسرع..
الروح هى فقط التى تحركنى خوفاً من شبح الموت..
القلب يركض أسرع وأسرع وأسرع وأسرع وأسرع وأسرع..
أقع كثيراً وسط هذا الالتحام و الكل * نفسى نفسى *.. 
القلب يركض أسرع و أسرع وأسرع وأسرع وأسرع وأسرع وأسرع..
لسانى و فمى يجاهدان الصمت و الخوف على ذكر الله و الشهاده، فهما سبيلنا للخلاص والجنه..
القلب يركض أسرع و أسرع وأسرع وأسرع وأسرع وأسرع..
أين كنا قبل ذاك اليوم؟..
أين كانت رأفه الفقير؟..
أين العطف على الأب والأم؟..
أين الضمير؟..
أين الرحمه؟..
أين العقل؟..
أين طهاره القلب؟..
أين قراءه القرآن؟..
أين كلمة الحق؟..
أين الجمال؟..
أين الصلاه؟..
أين الزكاة؟..
أين الصوم؟..
أين الصداقة؟..
أين المحبة؟..
أين حسن الأخلاق؟..
أين المعاملة الحسنة؟..
أين الخوف من النار؟..
أين الخوف من العذاب فى الدنيا والآخره؟..
أين الخوف من الموت؟..
أين الخوف من الله؟..
ما الذى يجعل الحياه تستمر؟ لا شىء.


 الأصوات الصاخبة تكسر حاجز الصمت، كلام، صريخ، إستغاثة، نداء، قرآن، إنجيل، توراه، بكاء، تنهيد..
العواصف بطول برج إيفيل تبحث عن طعامها.. السماء تتلون وتصرخ فى الوجوه، والأرض تنشق وتخرج ما فى باطنها..
الأجهزة مُعطَلة..
الموت يُشمشم وراء بناطيل الجميع..
الأمطار والسيول تغرق اليابس..
 البرق يكسر حاجز الظلام، ولا تعرف ما إذا كان ليل أم نهار؟ فالشمس ساطعه والجو داكن بالظلام..
ما الذى يحدث!؟

 أستمر فى الركض و قلبى قد سبقنى أميالاً و لا أعلم ما آخر الطريق؟ ولا إلى أين نذهب؟ ولا الذى يحدث؟ و لا عن أمى؟ ولا أخى؟ ولا أصدقائى؟ و لا عائلتى؟.. لا شىء..
لا أستطيع سماع شىء الآن غير صوت وقع قلبى على روحى و هى تتصاعد..
توقف عقلى عن التفكير..
وقلبى مازال يركض..
و قدمىَ لا أشعر بهم سوى أننى أتحرك ولا أعلم ما اذا كانت حركتى سريعه أم ماذا؟!..
وعينىَ ملئتهم التراب..
ويدى لا تتوقف عن الإرتجاف..فقط أركض وأركض..
أهرب من الموت..
لا أريد الموت إلا ومن حولى كل من أحببتهم روحى و جعلهم الله أحباب روحى وقلبى..
لا أريد الموت، لا أريد الموت..
فقط يا الله سامحنى عن كل ما أخطأت و أعفو عنى و صاحبنى بمن أحببت فى عنان جنتك..
و أصوات تعلو و تعلو و تعلو و تعلو تقول : * نفسى نفسى*

المجد للشهداء
العبد الفقير إلى الله